يسعدني أن أكون هنا في الجبل الأسود، في هذا المؤتمر الذي تنظّمه المحكمة الدستورية للجبل الأسود. وأشكر السيدة الرئيسة أرمينكو، رئيسة المحكمة، على دعوتي إلى حضور المؤتمر والحديث فيه.
أصبح الذكاء الاصطناعي واحدًا من التقنيات التي تَسِم عصرنا. وهو يغيّر بالفعل الطريقة التي تعمل بها الحكومات، وتتخذ بها الشركات قراراتها، ويؤدّي بها المهنيون أعمالهم. والمهنة القانونية ليست استثناءً من ذلك؛ ففي كثيرٍ من الأنظمة القضائية تُستعمل أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث في المصادر القانونية، وتلخيص المستندات، وتحليل كمياتٍ كبيرة من الأدلة، والمساعدة في البحث القانوني. وثمة كل ما يدعو إلى افتراض أنّ هذه التطورات ستستمر.
غير أنّ ظهور الذكاء الاصطناعي يثير بالنسبة إلى المحاكم الدستورية أسئلةً من نوعٍ خاص؛ إذ تحتلّ المحاكم الدستورية موقعًا خاصًا في بنيان الدولة. ومع أنني قادمٌ من المملكة المتحدة، التي ليس لها دستورٌ مكتوب ولا محكمةٌ دستورية، فقد طُلب مني في هذا العرض أن أركّز على الطبيعة الخاصة للمحكمة الدستورية ودورها في دولةٍ كالجبل الأسود، لها دستورٌ مكتوب وتعمل فيها محكمةٌ من هذا النوع.
فالمحاكم الدستورية ليست مجرد جهاتٍ تفصل في المنازعات بين الأفراد، بل هي مؤسساتٌ عُهد إليها بصون النظام الدستوري، وحماية الحقوق الأساسية، وضمان بقاء السلطة العامة خاضعةً للقانون. وبسبب هذه المسؤوليات، يجب على المحاكم الدستورية أن تتعامل مع الابتكار التقني بانفتاحٍ وحذرٍ معًا.
ولا أقصد اليوم أن أتناول الجوانب التقنية للذكاء الاصطناعي، بل أن أنظر في هذا السؤال: كيف ينبغي أن تستجيب المحاكم الدستورية للفرص والتحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي؟ وما أوجه استعماله التي تتّسق مع الوظيفة القضائية؟ وما المخاطر الناشئة عن استعماله؟ وماذا يخبرنا ظهوره عن الدور الدائم للمحاكم الدستورية في المجتمعات الديمقراطية؟
أودّ أن أطرح ثلاث نقاطٍ رئيسة:
الأولى: أنّ الذكاء الاصطناعي يتيح فرصًا كبيرة لتحسين عمل المحاكم الدستورية.
والثانية: أنّ هذه الفرص تصحبها مخاطر جدية يجب إدارتها بعناية.
والثالثة، وهي أهمّها: أنّ صعود الذكاء الاصطناعي يُبرز بوضوحٍ أكبر طبيعةَ الوظيفة القضائية ذاتها، ولا سيما في القضاء الدستوري.
الموقع الخاص للمحاكم الدستورية
من المفيد أن نبدأ بالموقع الخاص الذي تحتلّه المحاكم الدستورية. فكل محكمةٍ وُجدت لتفصل في المنازعات وفقًا للقانون، لكنّ المحاكم الدستورية تؤدّي وظيفةً إضافية؛ فهي تصون الإطار الدستوري الذي تجري في داخله الحياة السياسية وتفسّره، وتفصل في المنازعات المتعلقة بسلطات الحكومة، وصحة التشريعات، وتصرفات السلطات العامة، وحماية الحقوق الأساسية.
والدستور ليس مجرد نصٍّ قانوني، بل إطارٌ لتوزيع السلطة العامة وممارستها؛ ينشئ المؤسسات، ويوزّع المسؤوليات بينها، ويضع حدودًا لسلطة الحكومة. ولذلك فإنّ القضاء الدستوري لا يتعلق بتطبيق القانون داخل إطارٍ قائم فحسب، بل بصون الإطار نفسه.
وهذه نقطةٌ مهمة لأنها تفسّر اختلاف المحاكم الدستورية عن كثيرٍ من المؤسسات القانونية الأخرى؛ فقراراتها كثيرًا ما تمتد آثارها إلى ما هو أبعد بكثير من أطراف الدعوى المباشرين، وقد تمسّ السياسة العامة، أو تغيّر عمل الحكومة، أو تؤثّر في تطوّر المبادئ الدستورية مستقبلًا. ولهذا تقع المحاكم الدستورية عند ملتقى القانون والسلطة العامة.
ومن ثمّ يجب النظر إلى ظهور الذكاء الاصطناعي على هذه الخلفية الدستورية. فالسؤال المهم ليس مجرد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يجعل بعض المهام القضائية أكثر كفاءة، بل ما إذا كان استعماله يتّسق مع المسؤوليات الخاصة للمحكمة الدستورية.
الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي
ثمة أسبابٌ وجيهة تدعو المحاكم الدستورية إلى التفاعل البنّاء مع تطورات الذكاء الاصطناعي.
أولها يتعلق بتزايد حجم المعلومات التي يجب على المحاكم التعامل معها؛ فالدعاوى الدستورية الحديثة كثيرًا ما تنطوي على كمياتٍ هائلة من المواد، وقد تقتضي النظر في الأعمال التحضيرية للتشريع، والسوابق القضائية المقارنة، والكتابات الفقهية، وأدلة الخبراء، وسجلاتٍ مستندية واسعة. وكثيرًا ما يُطلب من القضاة ومساعديهم استيعاب قدرٍ كبير من المعلومات في مددٍ محدودة.
وللذكاء الاصطناعي قدرةٌ واضحة على المساعدة في هذا الشأن؛ فإذا استُعمل على الوجه الصحيح أمكنه أن يساعد في تحديد المواد ذات الصلة، وتنظيم المعلومات، وتلخيص المستندات، ولفت الانتباه إلى المصادر التي قد تكون مهمة. وهذه الوظائف لا تنطوي على اتخاذ القرار القضائي، بل تساعد القضاة في إدارة معلوماتٍ يتعيّن عليهم مع ذلك أن يقيّموها بأنفسهم.
والفرصة الثانية تتعلق بإتاحة المعرفة للناس. فالمحاكم الدستورية تستمدّ جانبًا كبيرًا من سلطتها من ثقة الجمهور، وتتعزّز هذه الثقة حين يكون التسبيب القضائي متاحًا ومفهومًا. وقد يساعد الذكاء الاصطناعي المحاكم في إعداد ملخصاتٍ للأحكام، ومواد تعريفية، ووسائل تواصلٍ أخرى تجعل المسائل الدستورية المعقّدة أيسر فهمًا على المواطنين.
والفرصة الثالثة تتعلق بالإدارة المؤسسية. فالمحاكم، كغيرها من الجهات العامة، تؤدّي مهامّ إدارية متنوعة، ومواردها محدودة. فإذا استطاعت التقنية تخفيف الأعباء المرتبطة بالمهام الإدارية الروتينية، أمكن توجيه مزيدٍ من الموارد إلى العمل القضائي الأساسي.
ولا ينبغي التهوين من هذه المنافع؛ فعلى المحاكم الدستورية واجبُ استعمال الموارد العامة بمسؤولية. وحيث يمكن للتقنية أن تساعد في أداء وظائف مشروعة وملائمة، فلا سبب من حيث المبدأ يمنع المحاكم من الإفادة منها.
المخاطر
تصحب المزايا المحتملة للذكاء الاصطناعي مخاطر لا تقلّ عنها أهمية.
وأوضحها مشكلة الموثوقية. فأنظمة الذكاء الاصطناعي لا تفكّر كما يفكّر البشر، وهي قادرةٌ على إنتاج إجاباتٍ تبدو معقولة لكنها غير صحيحة؛ فقد تولّد إحالاتٍ غير دقيقة، أو تُخطئ في عرض المبادئ القانونية، أو تقدّم معلوماتٍ خاطئة بثقةٍ كبيرة.
وهذه ليست بالنسبة إلى المحامين والقضاة مشكلةً تقنية فحسب؛ فحجية الأحكام القضائية تقوم على الدقة، ويجب أن يكون كل مبدأٍ قانوني، وكل واقعة، وكل إحالةٍ قابلةً للتحقق. واحتمال الخطأ يعني أنّ مخرجات الذكاء الاصطناعي يجب أن تبقى دائمًا خاضعةً لتدقيق المستخدمين من البشر.
والأمر الثاني الذي يثير القلق هو الشفافية. فمن السمات الجوهرية لاتخاذ القرار القضائي أن تُذكر أسبابه؛ إذ تبيّن المحاكم لماذا انتهت إلى ما انتهت إليه. وذكرُ الأسباب يعزّز المساءلة، ويتيح للجمهور النقد حين يكون للنقد وجه.
وكثيرٌ من أنظمة الذكاء الاصطناعي يعمل بطرقٍ يصعب على المستخدمين فهمها فهمًا تامًا، وهذا يُحدث توترًا محتملًا؛ فلو تأثرت القرارات الماسّة بالحقوق أو بالسلطة العامة تأثرًا كبيرًا بعملياتٍ خوارزمية غامضة، لنشأت أسئلةٌ مهمة تتعلق بالشفافية والمشروعية.
والأمر الثالث هو السرية. فالمحاكم الدستورية كثيرًا ما تتعامل مع معلوماتٍ حساسة، وقد تتعلق الدعاوى بمسائل الأمن الوطني، أو المعلومات الشخصية الخاصة، أو المعلومات التجارية السرية. ولذلك يتطلّب استعمال الذكاء الاصطناعي عنايةً دقيقة بمسائل الأمن والسرية.
والأمر الرابع هو الاعتماد المؤسسي. فكلما ازدادت قدرة الذكاء الاصطناعي ازداد الإغراء بالاعتماد عليه، غير أنّ القضاء الدستوري يتطلّب حكمًا مستقلًا. وثمة خطرٌ من أن يشجّع الاعتمادُ المعتاد على الأنظمة التقنية نوعًا من الخمول الفكري. وحتى حين يُحسن الذكاء الاصطناعي الأداء، يجب على المحاكم أن تحترس من التآكل التدريجي لعادات التفكير النقدي.
البعد السياسي للقضاء الدستوري
تتضح أهمية هذه المخاوف أكثر حين ننظر في البعد السياسي لدور المحكمة الدستورية.
قد يبدو للوهلة الأولى أنّ ثمة توترًا بين الطابع القضائي للمحكمة الدستورية والأهمية السياسية للمسائل التي تنظر فيها. وكثيرًا ما يُقال إنّ على المحاكم أن تبقى بمنأى عن السياسة، لكنّ هذا القول لا يمكن أن يكون صحيحًا إذا أُخذ على ظاهره؛ فالمحكمة الدستورية تعمل بالضرورة في بيئةٍ سياسية، وكثيرًا ما يُطلب منها الفصل في مسائل بالغة الأهمية السياسية. والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان للقضاء الدستوري بعدٌ سياسي، بل كيف يمكن لمحكمةٍ أن تؤدّي دورًا له آثارٌ سياسية وتبقى مع ذلك وفيّةً لطبيعتها بوصفها محكمةً قانونية.
وينشأ البعد السياسي أساسًا من طبيعة الدستور نفسه؛ فالدستور ينظّم السلطة العامة، ويحدّد توزيع الصلاحيات بين مؤسسات الدولة، ويضع الشروط التي تُتّخذ في ظلّها القرارات السياسية. ولذلك لا تستطيع المحكمة الدستورية أن تتجنّب مسائل تمسّ الحياة السياسية مباشرة.
وقد أدرك هذه السمة من سمات القضاء الدستوري هانز كلسن، الذي أدّت نظريته دورًا تأسيسيًا في نشوء المحاكم الدستورية المتخصّصة في أنحاء أوروبا.
فقد فهم كلسن أنّ الدستور يحتلّ مرتبةً عليا في النظام القانوني، وأنه لا بد من مؤسسةٍ تضمن بقاء الممارسات العادية للسلطة الحكومية متّسقةً مع المتطلبات الدستورية، والمحكمة الدستورية هي التي تؤدّي هذه المهمة.
والمهمّ أنّ كلسن لم يعدّ الرقابة الدستورية عمليةً آلية؛ فالنصوص الدستورية كثيرًا ما تتضمّن مبادئ عامة ومفاهيم مرنة، يقتضي تطبيقها حتمًا التقدير والحكم في مسائل ذات أهميةٍ سياسية. ويجب أن تُطبَّق هذه المبادئ العامة والمفاهيم المرنة على مجتمعٍ دائم التطوّر، ولهذا كثيرًا ما يُقال إنّ الدستور يجب أن يُفسَّر بوصفه أداةً حيّة.
غير أنّ جوهر ما أدركه كلسن هو أنّ الأهمية السياسية لا تُفقِد القضاء الدستوري طابعه القانوني، بل إنّ المحكمة الدستورية، في الحالات المناسبة، تحوّل النزاع السياسي إلى خصومةٍ قانونية؛ فالمسائل التي كانت ستُحسم بغير ذلك بممارسةٍ مجرّدة للسلطة السياسية، تُخضَع بدلًا من ذلك لإجراءاتٍ قانونية، ومعاييرَ قانونية، وفصلٍ مسبَّب.
فوظيفة القضاء الدستوري ليست أن يحلّ محلّ السياسة، بل أن ينظّم البيئة السياسية على أنحاءٍ معيّنة.
ولا يزال هذا الإدراك وثيق الصلة بواقعنا اليوم. فكثيرًا ما نصادف الحجة القائلة إنّ القرارات الدستورية ما دامت لها آثارٌ سياسية فهي إذن قراراتٌ سياسية، لكنّ هذه النتيجة لا تلزم من تلك المقدّمة.
فثمة فرقٌ جوهري بين قراراتٍ لها آثارٌ سياسية، وقراراتٍ تحرّكها دوافع سياسية.
والمحكمة الدستورية تُصدر حتمًا قراراتٍ من النوع الأول، ومشروعيتها تتوقف على تجنّب النوع الثاني.
وهذا يساعد على تفسير توترٍ مألوف في الديمقراطية الدستورية؛ إذ كثيرًا ما يُطلب من المحاكم الدستورية أن تراقب مشروعية قراراتٍ اتخذتها مؤسساتٌ منتخبة ديمقراطيًا. وبما أنّ القضاة غير منتخبين، فقد يُسأل: على أيّ أساسٍ يملكون سلطة إبطال التشريعات أو تقييد عمل السلطة التنفيذية؟
والجواب يكمن في الطبيعة المزدوجة للديمقراطية الدستورية.
فالديمقراطية الدستورية لا تقوم على الحكم الذاتي الديمقراطي وحده، بل تقوم كذلك على الدستورية. فالمؤسسات الديمقراطية مؤتمنةٌ على اتخاذ خياراتٍ ذات أهميةٍ سياسية، لكنها تعمل داخل إطارٍ دستوري يضع حدودًا لممارسة السلطة العامة ويحمي التزاماتٍ أساسية معيّنة.
والمحاكم الدستورية وُجدت لصون تلك الالتزامات، وهي حين تؤدّي هذه الوظيفة لا تقف خارج النظام الدستوري، بل هي جزءٌ منه.
ولهذا فالأولى أن يُنظر إلى العلاقة بين المحاكم الدستورية والمؤسسات السياسية لا بوصفها علاقة تنافس، بل بوصفها تفاعلًا داخل بنيانٍ دستوريٍّ مشترك؛ فللسلطات التشريعية والحكومات والمحاكم صورٌ مختلفة من المشروعية، وتؤدّي وظائف دستورية مختلفة.
وليست مهمة المحكمة الدستورية أن تحكم ولا أن تضع السياسة العامة، بل أن تضمن تصرّف جميع السلطات العامة في حدود الدستور.
والقضاء بتفسير الدستور بوصفه أداةً حيّة يتطلّب فهمًا عميقًا للسياق الذي يجب أن تُطبَّق فيه قواعده المرنة. كما يتطلّب من قضاة المحكمة الدستورية قدرًا من الحصافة السياسية، بالمعنى الواسع للكلمة، حتى لا يتجاوزوا الحدود المشروعة لدورهم في ديمقراطيةٍ قائمة.
الذكاء الاصطناعي والوظيفة القضائية
يساعد التأمل في البعد السياسي للقضاء الدستوري على تبيّن سبب ما يطرحه الذكاء الاصطناعي من تحدياتٍ خاصة للمحاكم الدستورية.
فكثيرٌ من المهام التي تؤدَّى داخل المحكمة يجوز أن يُستعان فيها بالذكاء الاصطناعي، ومن أوضح أمثلتها البحث، وإدارة المستندات، والتنظيم الإداري.
أما الوظيفة القضائية الجوهرية فأمرٌ مختلف؛ ففهم دقائق السياق وتكوين الحكم السديد من النوع الذي وصفته ليسا من المهام التي يبدو الذكاء الاصطناعي ملائمًا لها، على الأقل بصورته الحالية.
فالقضاء الدستوري ليس مجرد تحديدٍ للمصادر القانونية، بل هو سياقٌ يتطلّب، أكثر من أيّ مجالٍ آخر من مجالات القضاء، ممارسةَ حكمٍ سديد يحفظ الطابع الديمقراطي للحياة السياسية ولا يُخلّ به. فعلى القضاة أن يحدّدوا دلالة المبادئ الدستورية، ويوازنوا بين الحجج المتعارضة، ويزنوا الاعتبارات المؤسسية، ويقدّموا أسبابًا علنية لما انتهوا إليه.
ثم إنّ المحاكم الدستورية لا تستمدّ سلطتها من الخبرة وحدها، بل تقوم سلطتها على المساءلة؛ فالحكم يُقبل لأنّ قضاةً معروفين يتحمّلون مسؤوليته، ولأنّ تسبيبه معروضٌ علنًا للنقد.
وأنظمة الذكاء الاصطناعي لا تستطيع أن تتحمّل المسؤولية الدستورية.
فهي لا تشرح نفسها على النحو المنتظر من القضاة، ولا يمكن مساءلتها، ولا تستطيع المشاركة في الحوار الدستوري الدائر بين المحاكم والسلطات التشريعية والحكومات والفقهاء والمواطنين.
ولهذا تبدو فكرة أن يتولّى الذكاء الاصطناعي بنفسه القضاء الدستوري فكرةً خاطئة من أساسها.
والمسألة ليست مسألة كفاءةٍ تقنية فحسب، بل مسألة مشروعيةٍ دستورية.
فحجية القضاء الدستوري تقوم على ممارسة الحكم البشري من قِبل قضاةٍ مستقلين يعملون وفقًا للقانون.
والتقنية قد تساعد في هذه العملية، لكنها لا تستطيع أن تحلّ محلّها.
الخاتمة
لا ينبغي للمحاكم الدستورية أن تتقبّل الابتكار التقني دون تمحيص، ولا أن تقاومه بردّ فعلٍ تلقائي. والنهج الصحيح هو الحصافة الدستورية.
فالذكاء الاصطناعي يتيح فرصًا حقيقية، لكنه يثير في الوقت نفسه أسئلةً مهمة تتعلق بالموثوقية والشفافية والسرية والاستقلال المؤسسي، ويدعونا إلى التأمل في طبيعة الوظيفة القضائية ذاتها.
وقد ذهب هانز كلسن إلى أنّ المحكمة الدستورية وُجدت لإخضاع السياسة للقانون. ولا يزال هذا الإدراك اليوم بالقيمة نفسها التي كانت له حين صيغ أول مرة؛ فمشروعية المحكمة الدستورية تنبع من التزامها بالتسبيب القانوني، والإجراءات القانونية، والمساءلة القانونية.
وصعود الذكاء الاصطناعي لا يغيّر هذه الحقيقة الجوهرية، بل لعله يزيدها وضوحًا.
وتبقى المهمة الأساسية للمحكمة الدستورية كما كانت دائمًا: صون الشروط الدستورية التي يمكن في ظلّها أن يتعايش الحكم الديمقراطي وسيادة القانون.
وقد يساعد الذكاء الاصطناعي القضاة في أداء هذه المهمة.
لكنّ مسؤولية الحكم الدستوري يجب أن تبقى حيث تقتضي الديمقراطية الدستورية أن تبقى: لدى قضاةٍ بشرٍ مستقلين، يُسألون علنًا عن الأسباب التي يقدّمونها والقرارات التي يتخذونها.
وليس واضحًا البتة أنّ هذه المسؤولية يمكن أن تُوكَل إلى آلة.
وشكرًا لكم.
النص الأصلي: المحكمة العليا للمملكة المتحدة
النص الأصلي منشور على موقع المحكمة العليا للمملكة المتحدة، ويُعاد استعماله بموجب الترخيص الحكومي المفتوح، الإصدار الثالث (Open Government Licence v3.0). نص الترخيص
الترجمة العربية: مقالات . ولا تُغني عن النص الأصلي عند الاستشهاد.