ظهرت لي مؤخرًا فكرة بسيطة أراحتني كثيرًا، وأظنّ أنّها قد تُريح أشخاصًا لا يعرفون أصلًا لماذا يتعبون في مواقف تبدو عادية.
بدأ الأمر حين اكتشفت أنّ هناك فرقًا بين (أنا) وبين (سعود) الذي أُريد أنْ أكونه. فـ(أنا) هو الذي يعيش اللحظة كما هي، بمشاعره ورغباته وما يعرفه وما لا يعرفه، أمّا (سعود) فهو الصورة التي أحْمِلُها عن نفسي؛ أريده واثقًا، حاضر الذهن، حَسَن الحديث، يعرف كيف يتصرّف وماذا يقول. ولست وحدي مَن يحمل هذه الصورة، فالآخرون أيضًا لديهم صورتهم عن (سعود)، وقد نكون مُتّفقين في كثيرٍ من الأحيان على ما نريده منه.
وقد يبدو هذا الكلام للوهلةِ الأولى وكأنّني سأدخل بك إلى عالمِ الفلسفةِ وعِلمِ النفس، فأبدأ بسقراط وعبارته الشهيرة "اعرف نفسك"، ثم أمرّ على ديكارت وقوله "أنا أفكّر إذن أنا موجود"، وأقف عند فرويد وتقسيمه النفس إلى الهو والأنا والأنا الأعلى، والفروق بين هذه وتلك، ثم يونغ وحديثه عن القناع الذي نلبسه أمام الناس، إلى أنْ ننسى في النهايةِ ما الذي كنّا نتحدّث عنه أصلًا!
لكن اطمئنّ، فالأمر أبسط بكثيرٍ من ذلك. كلّ ما في الموضوعِ تجربةٌ شخصية، لاحظت فيها شيئًا في نفسي، وجرّبته، فوجدت أنّه أراحني. ولا أعرف إنْ كان أحدٌ من هؤلاء -أو غيرهم- قد قال شيئًا يُشْبِهُه، فدعنا نعدّه اكتشافنا، أنا وأنت، ونُسجِّل براءة اختراعه باسمنا إلى أنْ يَثْبُت العكس! وهو لك كما هو لي، تُجرِّبه، وتنقله لمَن تُحِب. وإنْ خطر لك أنْ تسأل: أليس (أنا) و(سعود) شخصًا واحدًا في النهايةِ؟ فلا تقف عنده كثيرًا؛ "ريّح مَلايكْتِك ولا تِكْلِف جَهَدْك"، وجرِّب بنفسك، وانظر ما الذي يَحْدُث معك.
وسأحكي لك بعض المواقف، وربما تكتشف أنّك تعيشها أنت أيضًا، دون أنْ تنتبه إلى مقدارِ التعب الذي تُسبِّبهُ لنفسك.
وأوّل ما انتبهت له أنّني كنت أحيانًا أتعامل مع الناس من خلالِ (سعود) الذي أتمنّاه، وليس من خلالِ (أنا) الذي يَعيْش الموقف فعلًا، ومن هُنا يبدأ التعب.
أحضُر اجتماعًا مثلًا وأشعُر بالتوترِ. (أنا) الآن متوتر، لكنّ (سعود) الذي أُريده، والذي ربما يَتوقَّعه الآخرون، ينبغي أنْ يكون واثقًا، فيُحاول (أنا) إخفاء توتر (سعود)، ويُراقِب صوته وكلماته وحركاته، ويخشى أنْ يُلاحِظ أحدٌ ارتباكه. وهكذا أصبح لدى (أنا) توتر من الاجتماعِ، وتوتر آخر من أنْ يعرف الناس أنّ (سعود) متوتر.
وهذا التوتر الثاني هو الذي استوقفني، فسألت نفسي: طيب، لماذا أخشى أنْ يعرفوا أصلًا؟ ربما لأنّني افترضت أنّهم إذا لاحظوا توتري فسيرونني أقلّ ثقة، وقد يتغيّر تصوّرهم عن (سعود). لكن مَن قال إنّ هذا ما سيحدث؟ قد يُلاحِظ أحدهم ولا يَهتَم، وقد يَتفهَّم آخر أنّ التوتر طبيعي، وقد يكون بينهم مَن يشعر بالتوترِ نفسه، وقد لا ينتبه أحدٌ أصلًا، وربما يَحْدُث ما كُنت أخشاه فعلًا. كلّها احتمالات واردة، لكنّني كنت أتعامل مع أحدها وكأنّه النتيجة الوحيدة المؤكّدة، وأبذل كلّ ذلك الجهد حتى أمنع حدوثه.
وماذا لو قُلت لهم ببساطةٍ: "تراني متوتر شوي"
، أو: "حضوركم مُهيب"
؟ فتنتقل حالة التقييم منّي إليهم، بحسب ما أظنّ أو أتوهّم. وقد أرتاح حينها لأنّني لم أعد بحاجةٍ إلى إخفاءِ التوتر، لكنّني قد أرتاح أيضًا دون أنْ أقول شيئًا؛ يكفيني أحيانًا أنْ أعترف لنفسي بأنّني متوتر، وأنْ أسمح لهذا الشعور بأنْ يكون موجودًا دون أنْ أنشغل بما إذا كان الآخرون سيلاحظونه.
فأنا لست مُطالبًا بإخبارِ الناس بكلِّ ما أشعر به، كما أنّني لست مُطالبًا بإخفائه عنهم. قد أقول، وقد لا أقول، وقد لا أُفكِّر في الموضوعِ أصلًا، فالمهم ألّا أعيش صراعًا إضافيًا مع نفسي من أجلِ المحافظةِ على صورةٍ معيّنة عن (سعود).
والتوتر لم يكن وحده، فالفكرة نفسها تتكرّر حين يسألك أحدٌ عن شيءٍ لا تعرفه. تخيّل أنّك في اجتماعٍ مهني، ووجّه إليك أحدهم سؤالًا يَتوقَّع الجميع أنّك تعرف إجابته، بينما أنت لا تعرفها بالقدرِ الكافي. فتحاول الإجابة، وتتوقّف، وترفع صوتك أحيانًا، وتَدخُل في تفاصيل لم يسألك عنها أحد، وتنتقل من فكرةٍ إلى أخرى، وربما تَتحدَّث بطريقةٍ مختلفة تمامًا عن هدوئك المعتاد. وفي النهايةِ، لا أنت أجبت إجابة جيدة، ولا قُلت إنّك لا تَعلَم، وربما خرجت بصورةٍ أقلّ من الصورةِ التي كنت تحاول المحافظة عليها.
طيب، لماذا كُلّ هذا؟ لأنّك تعرف أنّك لا تَعلَم، لكنّك تخشى أنْ يعرف الآخرون ذلك أيضًا! فتخيّل لو قُلت ببساطةٍ: "لا أَعلَم"
.
وهذا ما صرت أقوله لمَن أمامي، ولو في داخلي: أنا أيضًا أتمنّى أنْ يكون (سعود) عارفًا بالإجابةِ، وربما أنت تتمنّى ذلك، ونحن متّفقان. لكنّ الواقع أنّني لا أَعلَم. قد تستغرب، وقد تتفاجأ، وقد يتغيّر تصوّرك عن (سعود)، وهذا طبيعي. فما الذي يدعوني إلى تقديمِ إجابةٍ لا أعرفها حتى أُحافِظ على تصوّرك السابق عنّي؟
وقد أقول إنّني أحتاج إلى مراجعةِ المسألة، أو أطلب وقتًا للتفكيرِ، أو أكتفي بما أعرفه منها. ليست هناك عبارة واحدة يجب أنْ أقولها. ما أُريده أنْ أُجيب بحسبِ معرفتي الفعلية، دون أنْ أُحمّل نفسي عبء المحافظة على صورةِ الشخص الذي يعرف كُلّ شيء.
ثم صرت أجد الفكرة نفسها في مواقف أخرى. أحيانًا لا أرغب في الردِّ على اتصالٍ، لكنّ (سعود) الذي أُريده ينبغي أنْ يكون متواصلًا مع الناس، فأردّ وأنا لا أرغب في الحديثِ، وأحاول إظهار الحماس والاهتمام. وأحيانًا أشعر بالحرجِ، فأتصرّف وكأنّني مرتاح، وأقضي الوقت أُراقِب نفسي حتى لا يُلاحِظ أحدٌ ذلك. فأتساءل: لماذا أفعل كُلّ هذا؟ مَن الذي ألزمني بأنْ أبدو مرتاحًا وأنا مُحرَج، أو واثقًا وأنا متوتر، أو عارفًا بما لا أَعلَم؟
والغريب في ذلك كلّه أنّني قد أكون متّفقًا مع الآخرين على كلِّ ما يريدونه من (سعود). فإذا عاتبني أحدٌ على أمرٍ، فقد أقول له: أنا أتّفق معك، بل أتمنّى من (سعود) الشيء نفسه. لكنّ الذي أمامَك الآن هو (أنا)، وهذه حالتي الحالية.
نستطيع إذن أنْ نتّفق على ما نريده من (سعود)، وأنْ نعمل على تطويره، لكن لماذا أقضي حياتي أحاول الظهور بالشخصيةِ التي نتمنّى أنْ يكون عليها؟
وقد أتصرّف أحيانًا كما يتوقّع الآخرون، وأحيانًا على خلافِ توقّعاتهم، ولا أرى مشكلة في أيٍّ منهما. المشكلة بالنسبةِ لي حين يُصبِح همّي في الموقفِ كلّه ألّا يكتشف أحدٌ أنّني لست كما يتصوّر.
وربما هذا ما جعلني أرتاح للفكرةِ.
اكتشفت أنّني في مواقف كثيرة لم أكن أحاول تجاوز ما أشعُر به، بقدرِ ما كنت أحاول منع الآخرين من معرفته. وكنت أضيف إلى كلِّ شعور عبئًا آخر، ثم أتساءل لماذا أتعب من أمورٍ تبدو بسيطة.
جرّب فقط في الموقفِ القادم الذي تَشْعُر فيه أنّك مُضطَر إلى الظهورِ بصورةٍ معيّنة، أنْ تسأل نفسك: لماذا أتعب كلّ هذا التعب حتى لا يعرف الآخرون ما أشعُر به؟ وماذا لو عرفوا؟ قد تجد أنّ السؤال وحده يُخفِّف عنك شيئًا من هذا العبء.
وما زلت أتمنّى لـ(سعود) أنْ يكون أفضل، وأظنّ أنّ الآخرين يتمنّون له ذلك أيضًا. لكنّني لم أعد أرى حاجة إلى انتظارِ (سعود) حتى يُصبِح كما نريده، لأسمح لنفسي بأنْ أعيش اللحظة كما (أنا).
وفي النهايةِ أُريد أنْ أقول:
(سعود) مشروعنا معًا، والذي أمامَك الآن (أنا).