موضوع الورقة
أتناول في هذه الورقة جوانب من العلاقة بين العقد والإثراء بلا سبب […]. وأودّ على وجه الخصوص أن أُسائل الرأي الشائع القائل إنه لا يمكن أن يقوم إثراءٌ بلا سبب متى وُجد بين الطرفين عقدٌ نافذٌ أو قائم.
قال لي عددٌ من القضاة مؤخرًا إنهم، بعد أن ظنّوا أنهم يفهمون في الجملة موضوع قانون الإثراء بلا سبب، صاروا يتهيّبون بعض الشيء أن تُعرض عليهم قضيةٌ فيه؛ لعلمهم بهجماتٍ جوهرية على وجود هذا القانون أصلًا […]. وكان جوابي أنه لا داعي للخوف؛ فقانون الإثراء بلا سبب في عافيةٍ تامة […]. فالبنية المفاهيمية ذات المراحل الأربع للإثراء بلا سبب: المنفعة، وأن تكون على حساب المُفتقِر، وعوامل انتفاء العدالة، والدفوع، صارت راسخةً في قانوننا.
مثالٌ افتراضي
يبرم (ج) عقدًا مع (د) معتقدًا خطأً أنّ البضائع التي يشتريها مصنوعة من مادةٍ عالية الجودة. ولا يتضمّن العقد شرطًا صريحًا ولا ضمنيًا بذلك، ولم يُفِد (د) بذلك. فإذا بالبضائع مصنوعة من مادةٍ أرخص بكثير، وقيمتها أقل بكثير مما دفعه (ج).
فهل لـ(ج) دعوى إثراءٍ بلا سبب بسبب الغلط؟ أي هل يستطيع أن يحتجّ بأنّ له استرداد الثمن المدفوع لأنه وقع في غلطٍ مؤثّر، لولاه ما دفع الثمن المتفق عليه لو علم الحقيقة؟ الجواب بوضوح: لا. فليس لـ(ج) استرداد ثمن العقد (ولو مقابل ردّ البضائع)؛ لأنّ العقد، بحسب التفسير المعتاد، يبقى صحيحًا أو نافذًا.
ومن جهةٍ أخرى، من الواضح بالقدر نفسه أنه يجوز استرداد الإثراء بلا سبب إذا كان العقد باطلًا، أو أُبطل بسبب التدليس أو الاستغلال أو الإكراه مثلًا، أو أُنهي بسبب الإخلال أو استحالة التنفيذ، أو كان غير قابلٍ للإنفاذ.
قاعدة الالتزام
غير أنّ في الاكتفاء بقاعدة أنه لا إثراء بلا سبب مع وجود عقدٍ نافذ صعوبتين. الأولى أنها، وإن كانت وصفًا دقيقًا للقانون، ليست تفسيرًا له؛ فهي لا تخبرنا لماذا يُستبعد الإثراء بلا سبب مع وجود عقدٍ نافذ. والثانية أنّ استرداد الإثراء بلا سبب لا يُستبعد دائمًا، وإن كان ذلك نادرًا جدًا، حين تكون المنافع قد قُدّمت بموجب عقدٍ نافذ.
[ملخّص المترجم: أوضح مثالٍ على ذلك عند الكاتب قضية Roxborough v Rothmans of Pall Mall Australia Ltd أمام المحكمة العليا الأسترالية؛ إذ اشترى تاجر تجزئة سجائر من تاجر جملة، وتضمّن الثمن مبلغًا مستقلًا يمثّل ضريبةً افترض الطرفان أنّ تاجر الجملة سيوردها إلى الدولة، ثم تبيّن أنها غير دستورية فلم يلزم توريدها. فقضت الأغلبية بحق تاجر التجزئة في استرداد عنصر الضريبة من الثمن؛ لأنّ الوضع المتوقّع لم يتحقّق، وكان هذا الجزء محدّدًا بوضوح ويمكن فصله عن الباقي.]
وقد سُمّيت هذه القاعدة، استنادًا إلى عملٍ سابقٍ لي، "قاعدة الالتزام". ومؤدّاها أنّ الإثراء لا يكون بلا سبب، فلا استرداد، إذا كانت المنفعة مستحقةً للمدعى عليه بموجب التزامٍ عقديٍّ (أو قانونيٍّ آخر) صحيح. فحيث تنطبق هذه القاعدة، يُحسم التعارض بين قانون العقد وقانون الإثراء بلا سبب دون حاجةٍ إلى القول بأنّ الإثراء بلا سبب احتياطيٌّ بالنسبة إلى العقد؛ لأنّ وجود الالتزام الصحيح بتقديم المنفعة يُسقط عامل انتفاء العدالة الذي تقوم عليه الدعوى.
وهذا أمرٌ حاسم وواسع الأثر: لا يقوم كذلك أيُّ التزامٍ عقديٍّ صحيحٍ متعارض حين يكون الالتزام بتقديم المنفعة معلّقًا على شرطٍ ثم تخلّف هذا الشرط. ففي هذه الحالة يتّسق منحُ الاسترداد بسبب "تخلّف الأساس" مع الالتزام العقدي الصحيح ولا يتعارض معه، بسبب الطبيعة الشرطية لذلك الالتزام.
الخاتمة
كُتب الكثير عن العلاقة بين العقد والإثراء بلا سبب. ومع أنه يُقال عادةً إنه لا مجال لاسترداد الإثراء بلا سبب متى وُجد عقدٌ صحيح قائم، فقد حاججت هذه الورقة بأنّ هذا القول غير دقيقٍ بقدرٍ يسير لكنه مهم. والصحيح أنّ ثمة قاعدة التزام، مؤدّاها أنّ الإثراء لا يكون بلا سبب، فلا استرداد، إذا كانت المنفعة مستحقةً للمدعى عليه بموجب التزامٍ عقديٍّ (أو قانونيٍّ آخر) صحيح. وفي تطبيق هذه القاعدة، فإنّ الالتزام العقدي الصحيح القائم المعلّق على شرطٍ لم يتحقّق يتّسق مع استرداد الإثراء بلا سبب المؤسّس على تخلّف الأساس.
النص الأصلي: المحكمة العليا للمملكة المتحدة
النص الأصلي منشور على موقع المحكمة العليا للمملكة المتحدة، ويُعاد استعماله بموجب الترخيص الحكومي المفتوح، الإصدار الثالث (Open Government Licence v3.0). وهذه مقتطفات لا النص الكامل. نص الترخيص
الترجمة العربية: مقالات . ولا تُغني عن النص الأصلي عند الاستشهاد.