مقالات SAB

القانون بلغة العالم ..!

مقتطفات مترجمة

دور الإنصاف في قانون العقد

اللورد سيلزنائب رئيس المحكمة العليا للمملكة المتحدة · ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦Lord Sales, Deputy President of the Supreme Court of the United Kingdom

محاضرة HKU-Temple Chambers في جامعة هونغ كونغ، ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦. والمقصود بالإنصاف هنا (Equity) في القانون الإنجليزي، وما بين المعقوفين […] مواضع حذفٍ من النص الأصلي.

مقدمة

التفاعل بين قانون العقد والإنصاف موضوعٌ مركّب يمكن تناوله من زوايا متعددة. وسأبرز في محاضرتي هذا المساء ثلاثًا منها: أولًا، التصوّرات الأخلاقية التي يستند إليها كلٌّ من الإنصاف وقانون العقد؛ وثانيًا، الوظائف المختلفة التي يؤدّيانها داخل النظام القانوني في مجمله؛ وثالثًا، الزاوية التي يتيحها النظر في وسائل الإنصاف العلاجية المتعلقة بالعقود.

فالتصوّر الأخلاقي الأول الذي يعبّر عنه قانون العقد هو الوفاء بالوعد […]. وأخلاق الوفاء بالوعد تتركّز في الرضا الذاتي لمُطلِق الوعد بأن يلتزم بالتصرّف على نحوٍ معيّن […]. فإذا وعد شخصٌ بفعل شيءٍ عن علمٍ وقصد، بدا من العدل إلزامه بوعده.

غير أنّ هذه الفكرة تتعارض إلى حدٍّ ما مع الوظيفة التي يؤدّيها قانون العقد؛ فهو في جوهره نظامٌ ميسِّر يمكّن الناس من تدبير شؤونهم بقدرٍ معقول من اليقين. ولهذا جانبان: جانبٌ يتطلّع إلى المستقبل، وجانبٌ ينظر إلى الماضي […]. فالجانب الثاني لازمٌ حتى إذا نشأت المنازعات أمكن حسمها بأقلّ قدرٍ من العناء […].

وبالنظر إلى مجال الجدل وصعوبات الإثبات في تحديد ما فهمه الشخص ذاتيًا من وعده، فإنّ الجانب الوظيفي لقانون العقد يقتضي نهجًا أبسط في التفسير خاصة؛ فمقتضى اليقين العملي في تطبيق القواعد هو ما يقوم عليه المنهج الموضوعي في تفسير العقود.

التصوّر الأخلاقي للإنصاف

التصوّر الأخلاقي الذي يقوم عليه الإنصاف أوسع؛ فهو يستند إلى فكرة منافاة الضمير في تعامل الناس بعضهم مع بعض. ويشمل ذلك منافاة الضمير في نقض الوعد، لكنه يمتد كذلك إلى قيمٍ اجتماعية أوسع ترتبط بالمفاهيم الكامنة للإنصاف والعدالة في المعاملات بين الأشخاص؛ كأن لا يخدع الشخصُ غيره، ولا يستغلّه استغلالًا جائرًا، ولا يستدرجه إلى التصرّف دون علمٍ بما يضرّه.

وتعدّد الأسس الأخلاقية للإنصاف يعني أنّ له مجالًا للعمل بمراعاة طائفةٍ من الاعتبارات المعيارية تتفاوت بحسب السياق […]. فالإنصاف يستند أحيانًا إلى أخلاق الوفاء بالوعد، وأحيانًا يُعمل اعتباراتٍ معيارية تتعارض معها، أو تتجاوزها وتكمّلها. ولذلك فمن العبث البحث عن مبدأٍ جامعٍ واحد يفسّر جميع صور هذا التفاعل.

الإنصاف "صمّام أمان"

القواعد التي تتطلّع إلى المستقبل تحتاج إلى وضوحٍ يمكّن من التخطيط العملي، ولذلك تميل إلى أن تعمل على نحوٍ عام، بخطوطٍ فاصلة حادّة، وبقدرٍ قليلٍ من الدقة الأخلاقية […]. وهذه الخشونة النسبية في القواعد المسبقة تعني أنّ تطبيقها الصارم قد يؤدّي في بعض الأحوال إلى نتائج يُنظر إليها على أنها ظالمة، إذا قيست بالقيم الأوسع التي تقوم عليها فكرة منافاة الضمير. والإنصاف مجموعةٌ من المبادئ تعمل على تجنّب هذه الآثار؛ فهو يعمل بمعايير مرنة لا بقواعد صارمة، ولهذا يميل إلى النظر اللاحق الذي يراعي جميع الظروف التي نشأت بعد إبرام التصرف.

وهذا يعكس ملاحظةً لأرسطو عن أنّ تطبيق القواعد الواضحة الموضوعة سلفًا قد ينفصل عمّا تقتضيه العدالة في حالةٍ بعينها؛ إذ كتب أنّ "طبيعة ما هو منصف هي تصحيحٌ للقانون حيث يقصر بسبب عمومه" […]. وقد أوضح اللورد إليسمير أنّ أفعال الناس متنوعةٌ تنوعًا لا حدّ له، وأنه "من المستحيل وضع قانونٍ عامٍّ يلائم كل فعلٍ بعينه ولا يقصر في بعض الأحوال"، وأنّ الإنصاف وُجد "لتقويم ضمائر الناس فيما يقع من غشٍّ، وخيانةٍ للأمانة، ومظالمَ وتعسّف، أيًّا كانت طبيعتها، ولتليين شدّة القانون وتخفيفها".

وقد بيّن باحثون معاصرون كيف يساعد هذا الأثرُ المخفِّف للإنصاف، في ضوء مفهومٍ أوسع للعدالة، على تأمين مشروعية القانون في مجمله؛ فالإنصاف نوعٌ من صمّام الأمان، يجعل من الأيسر الإبقاء على القواعد الواضحة الحادّة، التي تخدم وظيفة القانون المسبقة، وإنفاذها في أغلب الأحوال.

حدود الإنصاف

والنقطة الوظيفية الثانية في دور الإنصاف في تعديل القواعد المسبقة الواضحة لقانون العقد هي أنه يجب أن يبقى في حدودٍ ضيقة إلى حدٍّ ما؛ وإلا طغت الاستثناءات التي يجيزها من إنفاذ تلك القواعد على القواعد نفسها، وقوّضت وظيفتها الصحيحة على نحوٍ غير ملائم […].

وهذا يعني أنّ قواعد الإنصاف تعمل على أطراف القانون العام للعقد، وفي المواضع التي يكون فيها المسوّغ المعياري للعدول عن التطبيق المباشر لذلك القانون قويًّا على نحوٍ خاص. وقد نشأت مبادئ الإنصاف في جيوبٍ متفرّقة لمعالجة طائفةٍ من الحالات المتباينة التي يتحقّق فيها ذلك. وحرصًا على اليقين القانوني من المنظور المسبق، أعرض القانون الإنجليزي عن المبادئ العامة لحسن النية أو التعسّف في استعمال الحق، التي هي من سمات الأنظمة المدنية.

الإنصاف ووسائل الإلزام

[…] ويكمّل الإنصاف هنا الحقوق العقدية القائمة في القانون العام، لا ليخفّف هذه المرة من تطبيقها، بل لينفذها بأثرٍ أقوى عن طريق الحكم بالتنفيذ العيني والأوامر القضائية حيث تقتضي العدالة ذلك […]. غير أنّ الإنصاف، بسبب الأثر القوي لهذه الأوامر تحديدًا، يحرص مرةً أخرى على أن يعمل مراعيًا جميع الظروف التي نشأت حتى وقت نظر الدعوى؛ فلا تُمنح هذه الأوامر إذا كان أثرها العملي أن يُعطى من صدرت لمصلحته شيئًا يتجاوز الحقوق العقدية التي تتعلّق بها.

فالإنصاف في هذا السياق أيضًا يُعنى بتحقيق العدالة الشاملة بالنظر اللاحق؛ إذ يقرّ بأنّ شروط العقد التي اتفق عليها الطرفان مسبقًا لا يمكن أن يُفترض أنها عالجت جميع تقلّبات الوقائع التي قد تنشأ وتكون ذات أثرٍ في الوصول إلى نتيجةٍ عادلة. فالإنصاف ينظر إلى ما وراء الأفق المعياري الذي يرسمه العقد نفسه، ويحقّق العدالة وفق التصوّر الأخلاقي الأوسع الذي يعمل به.

الخاتمة

التفاعلات بين قانون العقد والإنصاف مركّبة ومتنوعة. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنّ قانون العقد والإنصاف ليسا فئتين متنافيتين، بل يتداخلان إلى حدٍّ كبير. فالإنصاف، وإن كان يستجيب لطائفةٍ من الاعتبارات المعيارية أوسع مما يستجيب له قانون العقد في صورته المقرّرة في القانون العام والتشريع، يبقى شديد الصلة بالأسس الأخلاقية لقانون العقد. ففي بعض الحالات يعمل الإنصاف على ردّ قانون العقد إلى تلك الأسس، فيوفّق بين آثار قانون العقد ومقتضيات الأخلاق حين يحيد القانون العام عنها دون مسوّغ. وفي حالاتٍ أخرى تبقى الأسس الأخلاقية لقانون العقد ذات دورٍ مهم بوصفها خطَّ أساسٍ معياريًا، لا بد أن تعلو عليه اعتباراتٌ أخلاقية أخرى قاهرة حتى يُقتنع الإنصاف بالعدول عنه. فالإنصاف وقانون العقد فئتان قانونيتان مختلفتان، لكنّ أخلاق الوفاء بالوعد تؤدّي دورًا رئيسًا في توجيه عمل كلٍّ منهما.

وهذه الزاوية تتيح كذلك موقعًا يمكن منه مساءلة بعض مبادئ الإنصاف؛ فإذا كانت التغيّرات في القانون العام للعقد، ولا سيما في ممارسة التفسير، تعني أنه صار اليوم أكثر اتساقًا مع أسسه الأخلاقية مما كان عليه في الماضي، فإنه يغدو موضع شكّ أن تبقى مبادئ الإنصاف التي كانت تؤدّي تلك الوظيفة من قبلُ مسوّغة […]. وكما أنّ الإنصاف وقانون العقد صورتان من صور التقاليد القانونية التي تتغيّر مع الزمن، فينبغي أن نتنبّه كذلك إلى الطرق التي قد تتغيّر بها التفاعلات بينهما مع الزمن.

إنّ للإنصاف دورًا بالغ الأهمية في قانون العقد؛ فالتفاعل بين القانون العام والإنصاف هو ما يتيح لقانون العقد الإنجليزي أن يوفّر اليقين الذي يحرص عليه المتعاملون في التجارة، وأن يحترم في الوقت نفسه الأساس الأخلاقي للعقد في اتفاق الطرفين.

النص الأصلي: المحكمة العليا للمملكة المتحدة

النص الأصلي منشور على موقع المحكمة العليا للمملكة المتحدة، ويُعاد استعماله بموجب الترخيص الحكومي المفتوح، الإصدار الثالث (Open Government Licence v3.0). وهذه مقتطفات لا النص الكامل. نص الترخيص

الترجمة العربية: مقالات . ولا تُغني عن النص الأصلي عند الاستشهاد.

نُسخ الرابط