مقالات SAB

القانون بلغة العالم ..!

ترجمة كاملة

مبدأ "اللافاعلية" في قضاء "شوفا" الألماني

روت يانالأستاذة القانون المدني وقانون المِلكية الفكرية والقانون التجاري، جامعة بايرويت · ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦Professor for Civil Law, IP Law and Commercial Law, Bayreuth University

مقالة نُشرت في Verfassungsblog، قبل حكم محكمة العدل الاتحادية الألمانية المنتظر في ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ بشأن حق الاطلاع على كيفية حساب التصنيف الائتماني. والإحالات المرجعية في النص الأصلي.

ستُصدر محكمة العدل الاتحادية الألمانية في ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ حكمها في أربع قضايا تتعلّق بما إذا كان على وكالة المعلومات الائتمانية "شوفا" أن تُطلع الأشخاص المعنيين على كيفية تكوين "درجة شوفا"، وإلى أيّ مدى. وكانت محكمة العدل الأوروبية قد وضعت، في ثلاثة أحكامٍ محورية بين عامي ٢٠٢٣ و٢٠٢٥، حدودًا لمعالجة البيانات من قِبل وكالات المعلومات الائتمانية الخاصة، وعزّزت حقوق الاطلاع للأشخاص المعنيين. غير أنّ الأمور تجري في الغالب "كالمعتاد" لدى المحاكم المدنية الألمانية منذ صدور تلك الأحكام؛ فهي لا ترى في قضاء محكمة العدل الأوروبية دافعًا إلى مراجعة موقفها القانوني من التقييم الائتماني (ولا إلى النظر مثلًا إلى فرنسا المجاورة، حيث لا يجوز لوكالات المعلومات الخاصة جمع بياناتٍ عن المستهلكين)، بل تتمسّك بقضائها السابق بأنماطٍ جديدة من الحِجاج. وبذلك لا تنهض المحاكم المدنية الألمانية بمهمتها في ضمان فاعلية قانون الاتحاد الأوروبي.

الوضع القائم

تحتفظ "شوفا"، بحسب تصريحها، ببياناتٍ إيجابية وسلبية عن ٦٨ مليون شخص، لتحسب على أساسها ما يُعرف بـ"درجة شوفا" بصيغٍ متعددة. وتُتاح البيانات المخزّنة والدرجة، عند الطلب، لنحو عشرة آلاف من الشركاء التعاقديين لشوفا، لتقدير خطر تعثّر سداد الدين. وقد عدّت محكمة العدل الاتحادية عام ٢٠١٤ طريقة تحديد الدرجة سرًّا تجاريًا، وقضت بأنه لا يحقّ للأشخاص المعنيين، بموجب قانون حماية البيانات، الاطلاع على كيفية تحديدها. وهذا القضاء الألماني الطويل المواتي لشوفا تضعه موضع التساؤل ثلاثةُ أحكامٍ لمحكمة العدل الأوروبية صدرت بين عامي ٢٠٢٣ و٢٠٢٥.

أحكام محكمة العدل الأوروبية في التقييم الائتماني

في حكم "شوفا القابضة (الإعفاء من الديون المتبقية)" أوضحت المحكمة أولًا أنّ تخزين البيانات من قِبل وكالات المعلومات الائتمانية يمكن أن يستند إلى المادة ٦(١)(و) من اللائحة العامة لحماية البيانات، فيكون مشروعًا إذا رجّحت موازنةُ المصالح جانبَ المعالجة. وفي الوقت ذاته اعترفت بمصلحة الأشخاص المعنيين في ردّ الاعتبار بعد الإعفاء من الديون المتبقية، وقصرت مدة التخزين لدى الوكالات على مدة الحفظ المقرّرة نظامًا لسجل الإعسار العام. أمّا هل للوكالات أصلًا مصلحةٌ راجحة في تخزينٍ مستقل لبياناتٍ شخصية يمكن استخراجها في أي وقت من سجلٍّ عام، فقد تركته المحكمة دون حسم.

وفي قضية "شوفا القابضة (التقييم)" كان على المحكمة أن تفصل في مسألة: هل يُعدّ إنشاء درجةٍ ائتمانية "قرارًا آليًا" بمفهوم المادة ٢٢ من اللائحة، فيكون محظورًا من حيث الأصل؟ وكانت محكمة العدل الاتحادية قد نفت من قبل وجود قرارٍ آلي، خلافًا للمحكمة الإدارية الاتحادية النمساوية. وفيما يشبه التوسّط، أحالت المحكمة الإدارية في فيسبادن إلى محكمة العدل الأوروبية سؤالًا: هل يُعدّ الإنشاء الآلي للدرجة الائتمانية قرارًا بمفهوم المادة ٢٢ على الأقل إذا "اعتمد طرفٌ ثالث على هذه القيمة اعتمادًا حاسمًا في قراره بإنشاء علاقةٍ تعاقدية مع الشخص المعني أو تنفيذها أو إنهائها"؟ فأجابت المحكمة بالإيجاب.

وأخيرًا تناول حكم "دَن آند برادستريت النمسا" مدى ما يجب على وكالة المعلومات الائتمانية الإفصاح عنه، بموجب المادة ١٥(١)(ح) من اللائحة، بشأن "المنطق المتّبع" في القرار الآلي وفق المادة ٢٢. وبيّنت المحكمة أنّ الغرض من الإفصاح تمكين الشخص المعني من ممارسة حقوقه بموجب المادة ٢٢(٣) ممارسةً فعّالة، ولا سيما بيان وجهة نظره وإمكانية الطعن. فيجب الإفصاح، بصورةٍ دقيقة وشفافة ومفهومة ويسيرة الوصول، عن الإجراءات والمبادئ التي طُبّقت فعلًا في المعالجة الآلية لبياناته الشخصية، وعند الاقتضاء عن طريق "التفسيرات الافتراضية المُعاكِسة". ولا يلزم الإفصاح عن الخوارزمية كاملة، لكنّ تعقيدها وتصنيفها سرًّا تجاريًا لا يُعفيان من واجب الإيضاح.

ردّ فعل المحاكم المدنية الألمانية

يتعارض هذا القضاء الأوروبي تعارضًا واضحًا مع الرأي السائد في ألمانيا قبله، فجاء ردّ فعل المحاكم المدنية الألمانية متحفّظًا تبعًا لذلك.

تخزين البيانات

ما زالت محكمة العدل الاتحادية تتبنّى موقفًا متساهلًا في مسألة تخزين شوفا للبيانات؛ فقد أجازت تخزين البيانات الإيجابية عن عقود الهاتف المحمول المُبرمة، وتخزين بيانات تعثّر السداد التي سبق حذفها من السجل الرسمي للمدينين. ورفضت الاسترشاد بمُدد الحذف المقرّرة للسجل الرسمي للمدينين، أي رفضت نقل اعتبارات محكمة العدل الأوروبية في حكم "الإعفاء من الديون المتبقية". وحجة الدائرة مقنعة في أنّ ثمة فرقًا جوهريًا، من زاوية مصلحة ردّ الاعتبار، بين معلومة الإعفاء من الديون المتبقية، الشديدة المساس بالحقوق الأساسية، ومعلومة تعثّرٍ في السداد جرى تداركه، وهي أقل وطأة. غير أنّ بقية تعليلها قليلة الإقناع، ويمكن تلخيصها بشيءٍ من التكثيف هكذا: يجوز للوكالات التخزين لمدةٍ أطول لأنّ المعلومات تُجمع جمعًا خاصًا، وتُخزّن أبكر وأشمل مما في السجل العام.

حظر القرار الآلي

أمّا بشأن حظر القرار الآلي، فقد انتهجت شوفا بعد حكم "التقييم" استراتيجيةً إعلامية واضحة: أنّ درجة شوفا ليس لها أثرٌ حاسم في قرارات شركائها التعاقديين، فلا يشملها حظر المادة ٢٢. ونجحت هذه الاستراتيجية في معظمها أمام المحاكم المدنية الألمانية؛ إذ افترضت محاكم الاستئناف الإقليمية الألمانية، بلا استثناءٍ تقريبًا، أنّ الدرجة ليس لها شأنٌ حاسم في قرارات شركاء شوفا، فلا يوجد قرارٌ آلي، ولا مجال لتعويضٍ ولا لحقّ اطلاعٍ للأشخاص المعنيين. ويقوم هذا الحِجاج أولًا على مغالطة "القلب": ففي حكم "التقييم" أجابت محكمة العدل الأوروبية فقط عن سؤال المحكمة المُحيلة في فيسبادن: هل يوجد قرارٌ آلي إذا أثّرت الدرجة تأثيرًا حاسمًا في قرار الشريك التعاقدي؟ فأجابت بالإيجاب. أمّا الحالة العكسية، أي هل الدرجة ليست قرارًا آليًا إذا لم تؤثّر تأثيرًا حاسمًا في سلوك الغير، فلم تتعرّض لها المحكمة. ولهذا لا يتضمّن الحكم معاييرَ لتحديد التأثير الحاسم. وكما أبرز المحامي العام في رأيه، فإنّ الدرجة الائتمانية السلبية بذاتها تُحدث أثرًا وَصْميًا. والمحاكم التي تريد أن تستنتج من انتفاء التأثير الحاسم في قرار الغير أنّ إنشاء الدرجة ليس قرارًا آليًا، كان عليها في الحقيقة أن تُحيل المسألة مجددًا إلى محكمة العدل الأوروبية.

ويعتري بنيةَ حِجاج محاكم الاستئناف الألمانية فوق ذلك تناقضٌ يصعب حلّه: فمن جهةٍ يُقال إنّ إنشاء الدرجة الائتمانية ونقلها مشروعان بموجب المادة ٦(١)(و) لأنهما لازمان لحماية شركاء شوفا من تعثّر السداد. ومن جهةٍ أخرى يُقال إنّ الدرجة المنقولة ليست حاسمةً أصلًا في قرار الشركاء. وينطبق هنا المثل الإنجليزي: "لا يمكنك أن تحتفظ بالكعكة وتأكلها". فلو لم تكن الدرجة حاسمةً في العادة في قرار الشركاء، لما أدّت وظيفتها المقصودة في الحماية من خطر التعثّر، ولما جاز إنشاؤها ولا نقلها لانعدام سندٍ مُجيزٍ بموجب المادة ٦(١)(و). والقول بأنّ شركاء شوفا يُدخلون في قرارهم معلوماتٍ أخرى صحيحٌ بطبيعة الحال، لكنّ الدرجة السيئة تُعدّ في العادة معيار استبعادٍ من التعاقد، أو تؤثّر سلبًا في شروطه. ومن الناحية الاقتصادية أيضًا، لا معنى لأن يدفع الشركاء مالًا مقابل درجةٍ لا تحسم قراراتهم.

ويواجه من يريد وقف التقييم الائتماني الذي تجريه شوفا، استنادًا إلى مخالفة المادة ٢٢، عائقًا واقعيًا أيضًا: فشوفا تردّ على دعاوى التعويض بما يُسمّى "حجب الدرجة"، فلا تُصدر بعدها أيّ درجةٍ ائتمانية عن المدّعين. وقد أقرّت المحاكم هذا الحجب: فالشخص المعني يُناقض سلوكه إذا طالب بالتعويض عن إنشاء الدرجة ونقلها في الماضي، وطلب في الوقت ذاته إنشاءها ونقلها مستقبلًا. ولمّا كانت درجة شوفا أساسيةً للمشاركة في الحياة الاقتصادية في ألمانيا، فإنّ المستهلكين لا "يقدرون" على تحمّل حجبها. وهكذا لا تخشى شوفا موجاتٍ من الدعاوى كتلك التي أعقبت "تسريب بيانات فيسبوك".

حق الاطلاع

إذا وُجد قرارٌ آلي بمفهوم المادة ٢٢، التزمت الجهة المُعالِجة بالإفصاح عن "المنطق المتّبع" في اتخاذ القرار وفق المادة ١٥(١)(ح). ولمّا كانت أغلب محاكم الاستئناف الألمانية لا تعدّ درجة شوفا قرارًا آليًا، فإنّ طلبات الاطلاع التي يرفعها المعنيون على شوفا تُخفق في العادة. والاستثناء الإيجابي محكمة الاستئناف في دريسدن، التي طعنت شوفا في أحكامها أمام محكمة العدل الاتحادية. كما أنّ المحكمة الإدارية في فيسبادن تنطلق، في حكمها النهائي في القضية التي أحالتها، من وجود واجب الإفصاح عن كيفية تكوين الدرجة. ويشمل هذا الواجب في رأيها، من بين أمورٍ أخرى: أيّ البيانات دخلت في الدرجة ولماذا تُعدّ ذات صلةٍ ودلالة، وما وزن كل نوعٍ من البيانات في تكوينها، وهل تؤثّر فيها معلوماتٌ جماعية كمعلوماتٍ عن الحيّ السكني، وإلى أيّ حدٍّ كان اختلافٌ في البيانات الشخصية المأخوذة في الحسبان سيقود إلى نتيجةٍ مختلفة.

غير أنّ "سدّ الدفاع" الذي أقامته محاكم الاستئناف أدّى، في حقّ أغلب المعنيين، إلى إخفاق طلباتهم في الحصول على المعلومات من شوفا: فقد اشترطت المحاكم على المدّعين أن يُثبتوا أنّ درجة شوفا كانت حاسمةً في قرارٍ بعينه لشريكٍ تعاقديٍّ بعينه. وبذلك تُقام عوائق مُفرطة أمام الإفصاح، إذ سيكون على طالب المعلومة أن يرفع أولًا دعوى على الشركاء التعاقديين المحتملين للاطلاع على طريقة اتخاذهم قراراتهم، ثم دعوى أخرى على شوفا. وفضلًا عن أنه لا يوجد أصلًا حقٌّ في مطالبة الشركاء المحتملين بالإفصاح عن طريقة اتخاذ قراراتهم، فإنّ اشتراط دعويين يصطدم بـ"اللامبالاة العقلانية" لدى أغلب المعنيين. وهكذا يتحقّق بالضبط خطر "التجزئة" الذي حذّرت منه محكمة العدل الأوروبية صراحةً في حكم "التقييم": ففي ظروفٍ كظروف الدعوى الأصلية، التي يشترك فيها ثلاثة أطراف، يقوم خطر الالتفاف على المادة ٢٢، ومن ثمّ فجوةٌ في الحماية القضائية؛ إذ لن يستطيع الشخص المعني أن يمارس لدى الوكالة التي تحسب قيمة الاحتمال الخاصة به حقّه في الاطلاع على المعلومات المحدّدة في المادة ١٥(١)(ح)، ولن يكون الطرف الثالث، من جهةٍ أخرى، قادرًا على تقديم هذه المعلومات لأنه لا يحوزها في العادة.

آفاق

وقد استجاب المشرّع الألماني أيضًا لحكم "التقييم": ففي ٢٦ نوفمبر ٢٠٢٦ يدخل حيّز النفاذ استثناءان من حظر القرار الآلي وفق المادة ٢٢، بموجب المادة ٣٧أ(١) من القانون الاتحادي لحماية البيانات. ويظهر أنّ المشرّع افترض أنّ التقييم الائتماني الذي تجريه الوكالات يدخل تحت حظر المادة ٢٢. ولذلك فإنّ ميل المحاكم الألمانية إلى تفسير قضاء محكمة العدل الأوروبية تفسيرًا مواتيًا لشوفا يثير كذلك مسائل تفسيرٍ صعبة بشأن المادة ٣٧أ.

ومن المقرّر أن يُعلَن حكم محكمة العدل الاتحادية في طعون شوفا على أحكام الاطلاع الصادرة عن محكمة الاستئناف في دريسدن في ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦. وعلى الدائرة أن تغتنم الفرصة لعكس اتجاه المحاكم المدنية الألمانية، ولإعمال مبدأ الفاعلية في التقييم الائتماني. غير أنّ التقارير عن المرافعة الشفوية لا تبعث على التفاؤل؛ إذ ترى الدائرة، بحسبها، أنّ القرار الآلي يتطلّب "أكثر من مجرد حساب درجة". فإن أرادت الدائرة فعلًا أن تُنصف شوفا بحجة أنّ درجتها ليست حاسمةً في قرارات شركائها، فعليها أن تُحيل القضية مجددًا إلى محكمة العدل الأوروبية؛ لأنّ المحكمة لم تقل شيئًا في هذه الصورة من الوقائع. والأجدى من ذلك أن تضع الدائرة نُصب عينيها خطر التجزئة الذي أبرزته محكمة العدل الأوروبية، ومبدأ الفاعلية معًا: "إنّ ضمان الحماية القضائية التي يستمدّها الأفراد من أحكام قانون الجماعة، وكفالة أثرها الكامل، أمرٌ يقع على عاتق المحاكم الوطنية قبل غيرها".

النص الأصلي: Verfassungsblog

النص الأصلي منشور بترخيص المشاع الإبداعي، نَسب المُصنَّف – الترخيص بالمثل 4.0 (CC BY-SA 4.0)، وهذه الترجمة العربية متاحة بالترخيص نفسه. نص الترخيص

الترجمة العربية: مقالات . ولا تُغني عن النص الأصلي عند الاستشهاد.

نُسخ الرابط