تأمُّلات SAB

القانون مع الحياة ..!

  1. ١العظمة في زمن الاستسهال
  2. ٢خارج دائرة المنافسة
  3. ٣الاستشارة المجانية: لمن تُمنح؟
  4. ٤«اتبع شغفك» نصيحة في غير موضعها
  5. ٥تحمّل الفراغ أفضلية معرفية
  6. ٦العمل الحضوري والعمل عن بُعد
  7. ٧ما يصنع النجاح لا يُبقيه
  8. ٨مهارة عدم الوضوح
  9. ٩القابلية للتكيّف
  10. ١٠بين الحضور والغياب
  11. ١١الثقتان
  12. ١٢الشكوى لا تصنع وعيًا
  13. ١٣وهم الاستحقاق
  14. ١٤المثقّف الجديد
  15. ١٥الحزن على ما لم يكن
  16. ١٦رهبة الجلسة
  17. ١٧القانون يهذّب الرأي
  18. ١٨لا تبدأ بالدفع
  19. ١٩التغيير يبدأ من الداخل
  20. ٢٠سن الثامنة والعشرين
  21. ٢١الشتات المهني
  22. ٢٢الفهم قبل الشهادة
  23. ٢٣الميدالية في الجيب
  24. ٢٤الإعداد قبل المرافعة
  25. ٢٥جوابٌ أسرع إلى الفهم
  26. ٢٦لا يبدأ العدّ حتى يشعر بالألم
  27. ٢٧شرط التحكيم وطريق التقاضي
  28. ٢٨الأخلاق جزء من المحاماة
  29. ٢٩ثلاث نصائح
  30. ٣٠أنا القيمة
  31. ٣١من الأوامر إلى الوكلاء الذكيين
  32. ٣٢الكتابة تسحب التضخّم
  33. ٣٣الحرمان صورتان
  34. ٣٤الذكاء أن تحيا متّزنًا
  35. ٣٥البلاغة قلّة الكلام
  36. ٣٦المتدرّب وجلب العملاء
  37. ٣٧محرّك الدوبامين
  38. ٣٨الثقة لا تقوم على الأداء
  39. ٣٩الرضا الذي يُجهز على الحلم
  40. ٤٠الطريق الذي يتبعه الناس
  41. ٤١في التخلّي تجلّي
  42. ٤٢الكفاءة شرط في المحامي
  43. ٤٣الإطالة أم الاختصار؟
  44. ٤٤إشارة أم ضجيج؟
  45. ٤٥«يبدو أفضل»
  46. ٤٦الشخص المناسب للتوجيه
  47. ٤٧كيف تفكّر كقانوني
  48. ٤٨الشخصية قبل الموهبة
  49. ٤٩أفضل مراحل العمر
  50. ٥٠الطموحون الكسالى
  51. ٥١الأسئلة الخمسة
  52. ٥٢عدم اللقافة المهنية
  53. ٥٣أن تعرف ما لا تعرفه
  54. ٥٤ما بعد التقاضي والترافع
  55. ٥٥الولع بالتنغيص
  56. ٥٦السيرة الذاتية لا تُكتَب .. بل تُصنَع أولًا
  57. ٥٧النوستالجيا الأخلاقية
  58. ٥٨اسمك هويتك المهنية
  59. ٥٩السؤال قبل الجواب
  60. ٦٠تأثير زيجارنك
  61. ٦١أن ترى الأشياء كما هي
  62. ٦٢أوهام الظروف
  63. ٦٣ادّخِر زميلك للمهمّ
  64. ٦٤القسمة من الله
  65. ٦٥التفكير كمحامٍ
  66. ٦٦قيمة الاستشارة
  67. ٦٧لا تستعجل الرزق
  68. ٦٨الإنجاز اليومي
  69. ٦٩أهم سؤال مهني
  70. ٧٠الإعداد للمرافعة
  71. ٧١المنظورات الفكريّة
  72. ٧٢الشتات المهني
  73. ٧٣المحاولة السهلة والفرص الصعبة
  74. ٧٤علامات المحتال في التجارة والاستثمار
  75. ٧٥كثرة الحديث
  76. ٧٦هل نحن في سِباقٍ مع الزمن؟
٠١

العظمة في زمن الاستسهال

"من السهل جدًا أنْ تكون عظيمًا في هذه الأيام يا صديقي؛ لأنّ مُعظَم الناس ضُعفاء".

ديفيد غوغنز

يعيش مُعظَم الناس في مُحيطٍ مليء بالسرعة والمُغريات والمُشتتات السهلة، مِمّا جعل التراجع والانسحاب عند أول الشعور بالتعب أو الانزعاج خيارًا صادرًا عن الأغلبية.

في هذا الواقع، لم يعد الوصول إلى "العظمة" أو التميّز أمرًا يحتاج إلى مُعجزات خارقة أو موهبة فذة لا يملكها سواك؛ بل أصبح المضمار (شبه خالي) لِمَن يملك فقط القُدرة على الاستمرار.

نعم القُدرة على الاستمرار فقط !

فعندما يكتفي أغلب مَن حولك بالحد الأدنى من الجهد ويستسلمون سريعًا للراحة، يغدو مجرد الالتزام اليومي البسيط كفيلاً بأنْ يضعك في صدارة التقييم، ويجعلك تتفوّق على الغالبية العظمى دون عناء منافسة حقيقية.

المعنى البسيط والعميق في مقولة "ديڤد" هُنا: هو أنّ معيار التميُّز سقط إلى مستويات مُتدنّية جدًا بسبب كثرة الاستسهال والخمول؛ ولأجل ذلك، أصبح الانضباط العادي في زمن الكسل يُعَدُّ في ذاتهِ عظمَة.

٠٢

خارج دائرة المنافسة

"هناك نعمةً خفيّة تُسمّى: (خارج دائرة المنافسة).

أنْ تعيش دون أنْ يشغلك إثبات شيءٍ لأحد؛ فلا يهمّك أن تبدو الأجمل، أو الأغنى، أو الأكثر حظًّا. تكتفي بما أنعم اللّٰه به عليك، وتسعى لتكون أفضل من نفسك بالأمس، لا أفضل من غيرك.

فحين تَخرُج من دائرة المنافسة، تَدخُل دائرة الطمأنينة، فالسعادة لا تولَد من التفوّق على الآخرين، بل من الرضا بما قسمه اللّٰه لك."

حين تختار أنْ تكون خارج دائرة المنافسة، فإنّك لا تنسحب من الحياة، بل تنسحب من الركض في مسارات الآخرين؛ لتصنع مسارك الهادئ والمُطمئن.

٠٣

الاستشارة المجانية: لمن تُمنح؟

الشائع -في المهن- أنْ تُقدَّم الاستشارة المجانية للعميل المُستهدَف؛ باعتبارها وسيلةً لاكتسابه.

أمّا أنا فأميل إلى عكس ذلك؛ فالعميل المُستهدَف -كالشركات والتجار- يَتوقَّع خدمة احترافية بأتعاب، بل قد يرى أنّ المجانية تُضعِف قيمة الخدمة.

في كتاب (استراتيجية العظمة) يَتحدَّث المؤلفان جان نويل كابفيرير وفينسنت باستيان عن قاعدة معكوسة تمامًا للسائد في التسويق: "في استراتيجيات التموضع الفاخر، يجب عليك قلب قواعد التسويق التقليدية. (لا تسعَ وراء العميل المُستهدَف بتقديم التنازلات أو العينّات المجانية؛ فالتنازل يقتل الهيبة). العميل الفاخر يجب أنْ يَدفَع ليَدخُل عالمك؛ لأنّ الدفع هو ما يجعله يُقدِّر الخدمة، ويحترم المستشار."

أمّا (العميل غير المُستهدَف)، الذي لن تكون بيني وبينه علاقة مُستمرّة، فأرى أنّ خدمته مجانًا أو بمقابلٍ رمزي قد تكون أربح على المدى البعيد؛ لأنها تبني سُمعةً طيبة ورصيدًا من الثقة يتجاوز قيمة الأتعاب الآنيّة.

ويؤكِّد ذلك مفهوم (بناء السفراء عبر المنح) للعميل غير المُستهدَف؛ فخبراء التسويق يرون أنّ تقديم خدمة بلا مقابل لشخصٍ بسيط يصنع أثرًا يتجاوز المال:

"إنّ منح المعرفة والمساعدة دون تَطلُّع لعائد مادي فوري (مع العميل غير المُستهدَف) يخلق رابطًا معنويًا متينًا؛ فيتحوّل هذا الشخص تلقائيًا من مُجرّد مُستفيد عابر إلى سفير مُخلِص ينشر ثقتك وأمانتك في مجتمعه، وهو عائد معنوي وتسويقي مُستدام يفوق بكثير أي قيمة مالية لحظية."

٠٤

«اتبع شغفك» نصيحة في غير موضعها

لو سُئل الناس عمليًا عن قراراتهم المهنيّة، لأجمعوا -تقريبًا- أنّ اتِّباع العاطفة غالبًا قرار خاطئ، ومع ذلك ما زالت عبارة (اتبع شغفك) تتردَّد بوصفها نصيحة مهنيّة..!

الإشكال أنّ الشغف في أصلهِ حالةً عاطفية عميقة (شغفها حبًا)، وليس أداة تخطيط مهني.

العاطفة تميل للراحة، والسهل، والآمن، بينما النجاح المهني يقوم على الالتزام، والتحمُّل، والتدرُّج، والاستمرار، ومواجهة ما لا يُحَب ابتداءً.

مهنيًا: لا يَلزم أنْ تَتْبَع ما تُحِب، بل أنْ تختار ما تُجيده وتطوِّره، ثم قد يأتي الشغف لاحقًا كنتيجة للتمكُّن، لا سببًا له.

٠٥

تحمّل الفراغ أفضلية معرفية

مَن يستطيع تَحمُّل الفراغ والملل يَمتلك الآن أفضليّة معرفيّة تنافسيّة؛ لأنّ الذكاء التقليدي (IQ) لم يَعُد هو العامل الفارق في الأداء الحقيقي في هذا العصر (عصر التشتيت).

٠٦

العمل الحضوري والعمل عن بُعد

يقول ابن خلدون "إنّ الإنسان مدنيٌّ بطبعهِ"، أي أنه مخلوق يميل فطريًا إلى الاجتماع والتعاون؛ لأنّ الخبرة لا تتكوّن في العُزلة، بل في التفاعل مع الآخرين.

هذه الطبيعة الاجتماعية هي أساس بناء المعرفة وتبادُل المهارة، وهي ما يجعل العمل الحضوري ضرورة لا رفاهية، خصوصًا في المهن القائمة على نقل الخبرة والاحتكاك العملي، وأبرز هذه المهن هي مهنة المحاماة.

فالعمل المهني لا يقوم على إنجاز المهام فقط، بل على المشاركة في بيئة التعلُّم اليوميّة، حيث تتنقّل المفاهيم والأفكار، وتتكوّن الثقافة المهنيّة من الحوارات والملاحظات والتجارب.

ولهذا المعنى يؤكد إيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركات -تسلا وسبيس إكس- على رفضه لفكرة العمل عن بُعد، بقوله في رسالتين شهيرتين في عام 2022م لموظفي الشركة، ونص الحاجة منها:

▫️"يُطلَب من جميع موظفي شركة تسلا قضاء ما لا يقل عن 40 ساعة أسبوعيًا في مقر العمل. ويجب أن يكون المقر هو المكان الذي يوجد فيه زملاؤك الفعليون، وليس مكتبًا وهميًا أو فرعيًا بعيدًا.

إذا لم تحضر إلى المكتب، فسوف نعتبرك قد استقلت.

▫️كلما ارتفع منصبك، زادت أهمية وجودك الفعلي.ولهذا السبب كنت أقضي وقتًا طويلًا أعيش في المصنع، حتى يتمكّن العاملون في خطوط الإنتاج من رؤيتي أعمل إلى جانبهم. ولو لم أفعل ذلك، لكانت تسلا قد أفلست منذ زمن طويل".

▫️أمّا في الحالات النادرة التي يتعذّر فيها تطبيق ذلك على بعض الموظفين ذوي الأداء الاستثنائي، فسأراجع كل حالة بنفسي وأُقرِّر ما إذا كانت تستحق الاستثناء".

وهذا يُلخّص فلسفة الحضور في بيئة العمل:

القيمة الحقيقية ليست في أداء المهمة فحسب، بل في تراكم الخبرة ضمن سياق بشري حيّ. فالعمل عن بُعد قد يُحقِّق الكفاءة التشغيلية نسبيًا، لكنه يضعف النمو المهني، ويحدّ من التعلّم الضمني الذي لا يُكتسب إلا بالمخالطة اليومية ومراقبة التفاصيل الدقيقة.

ومن هنا، يمكن القول إنّ الأصل في الأعمال المهنيّة أنْ تكون حضورية التفاعل؛ لأنّ نقل الخبرة لا يتم بالاتصال أو بالواتساب أو بالمنصات الأخرى، بل بالتجربة، والنقاش، والموقف، والخطأ، والتصحيح، وهذه جميعها لا تتحقق إلا في الحضور.

٠٧

ما يصنع النجاح لا يُبقيه

"إحدى مُفارقات الحياة؛ أنّ الأشياء التي تجعلك ناجحًا في البداية نادرًا ما تكون هي تلك التي (تُبقيك) ناجحًا."

لماذا يقول -جون سي ماكسويل- ذلك؟

لأنّ النجاح الأول يُنتِج أنماطًا ذهنيّة وسلوكيّة تُصبِح (عوائق) لاحقًا إنْ لم تتغيّر.

٠٨

مهارة عدم الوضوح

مفهوم القيادة الواقعية التي لا تُبنى على الوضوح الكامل، بل على (الثقة في الأشخاص) أكثر من (الثقة في الخطة).

يقول Jim Collins في كتابه الرائع من جيّد إلى عظيم:

"لم يكن القادة الذين تحولوا من جيّدين إلى عُظماء يرغبون قط في أنْ يُصبحوا أبطالاً أعظم في الحياة، ولم يطمحوا قط إلى أنْ يُصبحوا من الشخصيات البارزة أو أنْ يصبحوا رموزاً لا يُمكن الوصول إليها. بل كانوا في ظاهر الأمر أشخاصًا عاديين يحققون بهدوء نتائج غير عادية."

ثم يُضيف عن (جوهر التحوّل) الذي يغفل عنه كثيرون:

"أنصتوا، أنا لا أعرف حقًا إلى أين يجب أنْ نأخذ هذه الحافلة، لكنني أعرف أنه إذا حصلنا على الأشخاص المناسبين ووضعناهم في مقاعدهم المناسبة، وتخلّصنا من الأشخاص غير المناسبين خارج الحافلة؛ سنعلَم كيف نأخذها إلى مكانٍ رائع."

وهنا تظهر مهارة عظيمة أسميتها (مهارة عدم الوضوح)؛ وهي ليست انعدام الرؤية، بل الوعي بأنّ الوضوح المُفرط في البدايات قد يكون قيدًا على الإمكانات.

إنها القُدرة على تحمّل المساحات الرمادية بثقة، والإيمان بأنّ الطريق سيتكشّف حين تتكوّن المنظومة الصحيحة من العقول والأدوار.

غلاف كتاب «من جيد إلى عظيم»
من كتاب «من جيد إلى عظيم»
٠٩

القابلية للتكيّف

رغم عبقريّة الأديب توفيق الحكيم إلا أنّه يقول عن نفسه:"فأنا من أقل الناس ثقةً بأنّ لي مواهب".

ويكشف أيضًا عن سِر (خطير ويسير) بالقدرة على النجاح في أي مجال وهو القابليّة على التكيُّف:

"وكان في مقدوري النجاح في كل بابٍ من هذه الأبواب؛ لأن طبيعتي قابلة للتكيُّف".

١٠

بين الحضور والغياب

كَثرةُ وقوعِ العين على الشخصِ يُسهِّلُ أمرهُ ويُهوِّنهُ.

آفةُ المُخالطة أنْ تُسقِط الهيبة، وتُروِّض الدهشة، وتُلبِس المألوف ثوب المهانة، حتى لو كان في ذاته عظيمًا.

يقولون: familiarity breeds contempt. مثل أفريقي.

ويُروى عن الأحنف:

"إيّاكَ وكثرةَ الدخولِ على الناسِ، فإنّها تُذهبُ بالمهابةِ وتُورِثُ الملالة".

دخل أعرابيّ على هارون الرشيد فأعجبه حديثه، فأمر له بجائزة، ثم عاد الأعرابي في اليوم التالي، فاستقبله الخليفة، وأكرمه.

فلما جاء اليوم الثالث، قال له الرشيد:

"يا هذا، زرنا على حين، نشتَق إليك".

ففهم الأعرابي الحكمة، وقال:

"إذا تتابعت الزيارات؛ ذهبت الهيبة، وإنْ توالت المكارم؛ قلّ الشكر".

ومن طرائف القصص، أنّ رجلاً كان يزور الخليفةَ يوميًا حتى أصبح حضوره مألوفًا، فقال له الخليفة ساخرًا: "يا هذا، لو كنتَ طيفًا لَمَلِلناك"!

▫️فاختر لذاتك موطنًا بين الحضور والغياب، ولا تُسرف في الانكشاف، فإنّ للنُدرة بهاءً، وللصمت هيبةً، فلا تُكثر التواجد في كل اجتماعٍ أو مَحفل، ولا تُبادر بالظهور في كل منصة؛ فإنّ من تمامِ الحضور، أنْ تعرف متى تغيب.

١١

الثقتان

• ثقتك بنفسك: تدفعك إلى العمل.

• ثقة الناس بك: تجعلك تطمئن إلى نتيجة عملك.

١٢

الشكوى لا تصنع وعيًا

في كتابِ (الراهب الذي باع سيارته الفيراري)، يَعرض الكاتب روبن شارما قصة رمزية لمحامٍ لامع يُدعى جوليان مانتل، عاش حياة مُزدحمة بالضغوط، محاطة بكل مظاهر النجاح: سيارة فيراري، بيت فاخر، شُهرة، ومكانة.

ومع ذلك، كان ينهار من الداخل ؛حتى سقط بأزمة قلبية في قاعة المحكمة.

بعدها، اختفى جوليان عن الأنظار، ثم عاد بعد رحلةٍ طويلة إلى الهند، حيث تتلمذ على يد (حُكماء سيفانا)، وتعلَّم منهم فن الحياة المتوازنة. لم يكن التغيير في حياته خارجيًا فقط، بل جذريًا في رؤيته لنفسه وللنجاح وللحياة ذاتها.

والسؤال هنا:

إذا كان هذا حال مَن يَملك كل (مظاهر) النجاح، فما بال من يَملك القليل ويُكثِر من الشكوى؟

الشكوى المتكررة، خاصة إنْ لم تكن مصحوبة بمحاولة للتغيير، لا تصنع وعيًا ولا تَقدمًا، بل تُبرمِج العقل على السلبية.

يقول روبن شارما:

كلما شكوت أكثر، كُلّما درّبت عقلك على رؤية السوء فقط.

كانت العرب قديمًا تكره الشكوى التي لا تُحدِث أثرًا.

قال رجل: ما أشدَّ البرد اليوم!

فرد عليه المعافى بن عمران:

هل أستدفأت الآن؟ لو سَكَتّ لكان خيرًا لك.

غلاف كتاب «الراهب الذي باع سيارته الفيراري»
من كتاب «الراهب الذي باع سيارته الفيراري»
١٣

وهم الاستحقاق

في الفصل الثالث من كتاب (فن اللامبالاة) ، يُناقش مارك مانسون فكرة الاستحقاق والشعور الزائف بالتميُّز، وهو يرفض فيه تمامًا فكرة أنّ الإنسان (يستحق) أشياء لمجرّد أنه يراها حقًا له أو لأنه مرّ بتجاربٍ صعبة.

Chapter 3: You Are Not Special

الفصل الثالث: أنتَ لست مُميزًا.

ما يقصده مانسون هُنا:

- رفض الشعور بالاستحقاق المطلق: فكثير من الناس يشعرون أنهم يستحقون النجاح أو الحب أو التقدير فقط لأنهم (هم)، أو لأنهم مروا بمعاناة.

مانسون يرى أنّ هذا شعور وهمي وخطير، ويؤدي إلى عقلية الضحية، ويجعل الإنسان ينتظر مكافآت من الحياة دون أن يبذل جهدًا حقيقيًا.

- التميّز الزائف مرض نفسي معاصر

المجتمع الحديث يعزز في الأفراد -خاصة عبر الإعلام والسوشيال ميديا- أنهم مميزون واستثنائيون، بينما في الحقيقة، مُعظم الناس عاديون، وهذا لا بأس به.

- المعاناة لا تعني أنك تستحق شيئًا

كثيرًا ما يبرر البعض مشاعرهم السلبية أو مطالبهم بأنهم (عانوا)، ولكن مانسون يوضّح أن:

"كل الناس يعانون، ولا أحد محصن من الألم."

وليس من العدل أنْ نرفع معاناتنا فوق معاناة الآخرين وكأننا الوحيدون الذين نمرّ بها.

- الشفاء يبدأ من قبول العادي، الراحة النفسية تبدأ حين تُدرك أنك لست مُميزًا، وأنّ الحياة لا تُدين لك بشيء، وأنّ عليك أنْ تعمل وتبني وتنهض بنفسك.

هذه الفكرة تُحرّر الإنسان من الأوهام وتجعله أقرب إلى السلام الداخلي.

اقتباسات مباشرة من الكتاب -بتصرف- :

"إنّ الاعتقاد بأنك مُميّز واستثنائي هو أحد أكثر أشكال الاستحقاق تدميرًا".

"كلنا نمر بمعاناة، لكن البعض يجعل من معاناته مسرحًا للتفوق الأخلاقي على الآخرين".

"الحياة لا تعطيك ما تستحق؛ بل تعطيك ما تعمل لأجله، وما تتحمّل مسؤوليته".

هذه الفكرة من الكتاب مهمة جدًا ؛ لأنها ببساطة تنزع فتيل التوتر الداخلي الناتج من الشعور بأنك تستحق ولم يُعطَ لك، وتحررك من المقارنة، وتدفعك نحو التصالح مع ذاتك من غير تضخيم ولا جلد.

▫️ ⚠️ وقبل هذا كُلّه، فقد جاء في الحديث الشريف:

"لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أنْ يتغمّدني الله برحمةٍ منه وفضل".

الباء هنا باء العوض، يعني: ليست عوض العمل، ولكنه مجرد رحمة الله وعفوه سبحانه وتعالى، حصل بذلك قبول العمل، ودخول الجنة والنجاة من النار.

فهذا هو النبي، الذي لو وُزن عمله بعمل الثقلين لرجح، ومع ذلك لم يرَ أنه يستحق الجنة بعمله.

فكيف بمن هو دونه؟

إنها قمة التواضع، وجوهر العقيدة: أنْ نستبدل وهم الاستحقاق، بصدق السعي، وصدق التوكُّل.

فاللهم صلِّ وسلِّم وبارك على من قال: (ولا أنا)، وأعِن وارحم ضعفنا، وضعف القائل: "أنا أستحق؛ لأني كذا وكذا".!

غلاف كتاب «فن اللامبالاة»
من كتاب «فن اللامبالاة»
١٤

المثقّف الجديد

يقول بيتر دراكر:

"أعتقد أنّ المجال المُرشَّح للنمو المُتسارع مستقبلاً في هذا البلد وغيره من بلدان العالم هو (التعليم المستمر للكبار).

فلا شيء يفوق نُموّه سُرعةً.

وأعتقد أنّ لقب «مُثقَّف» مستقبلاً سيُطلق على ذلك الشخص الذي يُدرِك الحاجة إلى (الاستمرار في التعلُّم).

هذا هو التعريف الجديد الذي من شأنه أنْ يُغيّر العالم الذي نعيش ونعمل فيه".

هذا الاقتباس العميق لبيتر دراكر يُلخّص تحوّلًا جذريًا في فهمنا للمعرفة والتعلُّم، ويُعيد تعريف (المُثقّف) على نحوٍ عمليّ لا نظري. فبدلاً من أنْ يكون المُثقّف هو من (امتلك) المعرفة، أصبح هو مَن (يُدرك حاجته المُستمرِّة إليها).

التعليم المستمر للكبار لم يَعُد رفاهية ولا ترفًا معرفيًا، بل هو أحد أركان البقاء والتقدّم في عالم سريع التغيّر. من لا يتعلّم باستمرار، يتقهقر، مهما كانت خلفيته الأكاديمية أو العملية.

«المهارة الوحيدة التي ستظل مهمّة في القرن الحادي والعشرين هي (مهارة تعلُّم مهارات جديدة)؛ فكل شيء آخر سيُصبح قديمًا مع مرور الوقت».

١٥

الحزن على ما لم يكن

الحزن ليس على الخسارة في ذاتها، فذاك أمرٌ يزول، بل على الفرح الذي لم يُكتَب له أنْ يكون، ولحظات انتشاء لم يُقدَّر لها أنْ تُعاش؛ على سعادةٍ كانت قاب قوسين، فأدركها الغياب قبل الميلاد. ذاك الأسى النبيل، الذي لا يصرخ، بل يهمس في الأعماق: (كان يمكن أنْ أكون سعيدًا).

هو الحزن على شعورٍ طافَ بالحلمِ ولم يُلامس الواقع؛ شعورٍ كان سيسكن القلب، ويغمر الروح، ويجعل من الأيام بهجةً لا تنطفئ.

يقول (فيلسوف الأدب) ألبير كامو:

"لا شيء أكثر وجعًا من أنْ نتخيّل السعادة المُمكنة، ثم نراها تنطفئ قبل أنْ تُولَد".

١٦

رهبة الجلسة

هل لا زال يعتريك شيءٌ من القلق عند حضورك للجلسات القضائيّة؟

غالبًا ؛ أنت تسير في الطريق الصحيح.

(إذا جاء اليوم الذي تَدخُل فيه للجلسة القضائيّة من دونِ خوف؛ فسيكون الوقت قد حان للتوقّف عن العمل).

إنّ أكثر ما يُميّز المحامي عن أقرانه هو شعوره العميق بالمسؤولية؛ فمن هذا الشعور يبدأ الحضور الذهني، ويتولّد التركيز، وتنشأ رغبة حقيقية في الفهم، ويظهر الحرص على دراسة القضية والبحث والاستعداد لها، وسؤال الزملاء عن بعض المسائل، ومن ثُمّ المرافعة بإخلاصٍ لا استعراض.

ويُروى أنّ أحد القضاة قديمًا قال لمن يترافع أمامه بثقةٍ زائدة:

"الذي لا يرتجف قلبه عند أول كلمة، ليس في قلبه ما يكفي ليحمل همّ الناس".

ولدى الطيّارين عُرفٌ مضمونه أنّ الطيّار الذي لا يَشعُر بأي رهبةٍ قبل الإقلاع، لم يَعُد أهلًا للمقعد الأمامي.

١٧

القانون يهذّب الرأي

القانون يُهذِّب النفس ويصقل الفكر، فمن كان رأيه القانوني (باعثهُ) الميول أو الهوى؛ فهذا دليلٌ على أنه لم يتمكَّن من القانون، ولم يتمكَّنَ منه، ولم يكتمل (نضجه) القانوني بَعْد.

ويظهر ذلك جليًا في الأراءِ المُتعلّقة بالقضايا الرياضيّة.

يقول فرانسيس بيكون -المستشار القانوني للملكة إليزابيث-: "العاطفة تُفسِد المنطق، كما يُفسِد الصدأ الحديد".

١٨

لا تبدأ بالدفع

نصيحة مهنيّة:

▫️لا تكن خطوتك الأولى للتعلُّم البرامج المدفوعة، أيّا كان نوع هذا التعلُّم أو البرنامج.

(دورات تدريبية - شهادات مهنيّة - تعلّم اللغة الإنجليزية - مُدارسات الأنظمة - CME - شهادات بالحوكمة وإدارة الالتزام - بالموارد البشريّة - ….- ونحو ذلك).

لا تتسرّع في دفع المال (قبل) أنْ تختبر التزامك أولًا.

ابدأ بالمصادر المجانية مثل الدورات المتاحة على يوتيوب، والمنصات التعليميّة المجانية.

على سبيل المثال:

لو رغبت بتعلّم (قراءة القوائم الماليّة)، ووجدت برنامج يُقدّمها بـ (700 ريال)، الطريقة الصحيحة ليست التسجيل بالبرنامج أو الدخول بالاختبار؛ بل أنْ تبدأ من البرامج والدورات الموجودة باليوتيوب، ثم مع مشاهدتك لعدة برنامج ولقاءات وبودكاست وغير ذلك، قد تجد مجموعة عبر الواتساب أو التيليجرام خاصة في هذا البرنامج تحديدًا أو في هذا الموضوع بشكلٍ عام، فتستمر بالاطلاع على ما هو موجود فيه، وقراءته واستيعابه، ومشاركة الموجودين الأسئلة.

فإذا وجدت نفسك مُلتزمًا بالتعلم المجاني لمدة 3 أشهر على الأقل، فهذا مؤشر قوي على أنك مستعد للاستثمار في البرامج المدفوعة والاستفادة منها فعليًا.

وبهذه الطريقة تكون حققت عدّة فوائد:

1. تأكدت من انضباطك والتزامك.

2. صنعت عادة تستطيع معها التعلّم الذاتي.

3. حفظت وقتك؛ لاختصار وقت التعلّم للمادة العلميّة.

4. حفظت مالك؛ لأنك استوعبت المادة العلميّة خلال المدة السابقة.

5. ترسّخت المادة العلميّة أكثر فأكثر.

أما إذا لم تستطع المواصلة، فغالبًا ستكون الدورات المدفوعة مُجرّد هدر للمال والوقت دون فائدة حقيقية.

إياك أنْ تخدع نفسك بالدفع!

دفع المال على الدورات قد يمنحك شعورًا زائفًا بالإنجاز، وكأنك فعلت المطلوب منك لمجرد أنك دفعت، بينما الواقع أنّ التعلُّم الحقيقي لا يحدث إلا بالالتزام الفعلي.

كثير من الناس يُنفقون أموالًا طائلة على البرامج التعليميّة لكنهم لا يستمرون فيها؛ لأن قرار الدفع كان مجرد (إشباع نفسي) وليس خطوة فعلية نحو التعلُّم.

يقول مورغان هاوسل (مؤلف كتاب علم النفس المالي):

“المال المدفوع يُمكن أنْ يمنحك إحساسًا بالتحسُّن مؤقتًا، لكنه لا يُغيّر الواقع إنْ لم يكن هناك التزام حقيقي.”

وقرأت مقولة لـ دانيال كانيمان في كتابه (مؤلف كتاب التفكير، بسرعة وببطء) تُعبِّر عن طبيعة بشريّة:

“الاستثمار في شيءٍ ما يجعلنا (نُبالغ) في تقدير قيمته.”

ويعني بهذا أنّه بمجرد أنْ تدفع مقابلًا لدورة أو شهادة، قد تظن أنها مهمة، وأنت مُلزم باستكمالها، وإذا تحصلت على شهادتها تُعطيها قيمة أكبر ؛ لأنك دفعت فيها فقط، وبالمُقابل فتعلّمك الذاتي (المجّاني) سيُعطيك صورة حقيقيّة عن أهميّة الشيء الذي تُريد تعلّمه، وأهمّيته لك، ومدى استيعابك له، وانضباطك دون أيّ تأثير .

١٩

التغيير يبدأ من الداخل

بالأمسِ كنت (حانقًا)، أسعى لتغيير العالم ليتوافق مع واقعي، ولم يتغيّر شيء ..!

اليوم أصبحتُ (ناضجًا)، وبدأتُ التغيير من نفسي، فبدأ واقعي مُنسجمًا مع العالم.

يقول ستيفن كوفي بكتابه العادات السبع للناس الأكثر فعالية:

"الانتصارات الشخصية تسبق الانتصارات العامة. لا يمكننا تحقيق التغيير الخارجي إلا إذا بدأنا بتغيير أنفسنا أولاً".

وللمذيعة الأمريكية أوبرا وينفري مقولةٌ تُعبِّر عن أهميّة تغيُّر التفكير لتغيير الواقع:

"أعظم اكتشاف في حياتي كان عندما أدركت أنني أملك القدرة على تغيير واقعي بتغيير فكرتي عن نفسي".

٢٠

سن الثامنة والعشرين

"مُعظم الناس يستسلمون عند وصولهم سن الـ (28)".

عبارة تعكس فكرة أنّ الكثير من الناس قد يتوقّفون عن السعي لتحقيق أحلامهم أو يتخلّون عن طموحاتهم عند هذا العمر بسبب الضغوط الاجتماعية أو المهنية أو الشعور بالإحباط من الفشل أو التحدّيات، والأكثر ألمًا -من ذلك- أنّهم لا يعرفون مدى قربهم الشديد من وقت الحصاد.

هناك أمثلة عديدة لأشخاص بدأوا تحقيق إنجازاتهم وقطف ثمار -الأيام الصعبة- بعد الثلاثين والأربعين.

فالنصيحة الأهم هنا:

(الاستمرارية - المُثابرة - المرونة).

يقول سيغموند فرويد في التوقّف عن السعي:

"مُعظم الناس لا يُدركون مدى قربهم من النجاح عندما يستسلمون".

وقيل أيضًا عن الاستمرارية:

"الاستمرارية في العمل هي ما يُميّز الناجحين عن الآخرين".

٢١

الشتات المهني

هل تشعُر بالشتات المهني ؟

وأنّ خُططك لا تتحقَّق بنفس الترتيب الذي تصوّره عقلك المحدود؟

لست وحدك ! فاطمئن.

ثم إنّ ما تشعُر به موجود لدى كثير من الناس (فلا شيء يدعو للغرابة)، وأخيرًا ؛ إنّ هذا الشعور ليس بالجديد، وليس حكرًا على هذه السنوات.

يقول د. علي الوردي في كتابه المنشور عام 1951م :

- "إنّ مُعظم الناس يتّجهون في أول أمرهم نحو غايةٍ ثم ينحرفون عنها أخيرًا".

- "إنّ واقع الحياة أقوى من أي خطة يضعها عقل محدود".

٢٢

الفهم قبل الشهادة

إذا سمعت أو قرأت عن شهادة مهنية أو احترافية، لا تكن (خطوتك الأولى) وتركيزك على التسجيل والدخول للاختبار والحصول عليها؛ لأنك -في الغالب- ستحصل على الشهادة دون رسوخ مضمونها.

استثمر في التعلّم الذاتي عبر اليوتيوب، الكُتب والمنشورات، مواقع التواصل الاجتماعي.

اجعل دراستك للمنهج فرصة لتطوير مهاراتك وللاستمتاع بما تتعلّمه، وليس فقط بهدف الحصول على الشهادة. خذ وقتك الكامل، قبل أنْ تتخذ خطوة دفع الرسوم والتسجيل وانتظار موعد الاختبار.

ومن فوائد هذه الطريقة:

1. تعلُّم أكثر عُمقًا وثباتًا:

عندما تركِّز على استيعاب المادة بعُمق، يُصبِح تعلّمك أكثر رسوخًا، مما يجعلك قادرًا على استخدام المعلومات بفعالية في الحياة العمليّة، وليس فقط لاجتياز الاختبار.

2. تعزيز المهارات العمليّة:

يمنحك التعلُّم الذاتي وتعدُّد المصادر نظرة شاملة، ويُطوّر مهاراتك العمليّة في المجال، مما يزيد من فرصتك في النجاح المهني.

3. الاستمتاع برحلة التعلُّم:

إذا درست بهدف الفهم والاستمتاع، تكون عمليّة التعلُّم مُمتعة، وليست مجرد وسيلة للحصول على شهادة، وتنتقل -والحال هذا- (من عقليّة الطالب إلى عقليّة المهني).

4. توفير الجُهد والمال:

التعليم الذاتي سيُوفِّر لك الوقت والمال الذي قد يُهدَر بإعادة الاختبار أو الدراسة مُجددًا بسبب قلة الاستعداد.

5. بناء ثقة عالية بالنفس:

الفهم الجيد للمادة يجعلك واثقًا من نفسك خلال الاختبار وبعد الحصول على الشهادة، مما يُعزز قدرتك على إقناع الآخرين بمهاراتك ومعرفتك في مجالك.

٢٣

الميدالية في الجيب

(مرتديًا قميصًا يبدو عاديًا، ويصوّب ويده في جيبه).

تصدّرت صورة لاعب الرماية التركي، يوسف ديكيتش، مواقع التواصل الاجتماعي لتصبح إحدى أشهر الصور في أولمبياد باريس 2024.

وبينما كان العديد من منافسيه يرتدون واقيات أذن كبيرة ونظارات وملابس مجهّزة، ظهر لاعب الرماية التركي بشكل مختلف تمامًا من حيث الهدوء مع النظارات العادية وسدادات الأذن التي بالكاد تكون مرئية، بحسب وكالة (أسوشيتد برس).

"يقول الناس أحيانًا (الأمر سهل للغاية)، وقد حصلت على الميدالية وكأنّها في جيبك، لكن هذا هو الانطباع الخارجي، الحقيقة أنّ الميدالية تُمثِّل (24) سنة من العمل والجهد".

* يوسف ديكيتش

٢٤

الإعداد قبل المرافعة

إنّ (خطورة) عدم ضبط المحامي لإجراءات الترافع قبل تقديم صحيفة الدعوى وحتى صدور حكم نهائي بالقضية (أكثر) من عدم فهمه لموضوع الدعوى أو النص القانوني الواجب التطبيق على الواقعة، فالثاني يُمكن تحريره وتوضيحه وتعديله أثناء نظر الدعوى -حسب كل دعوى وله تفصيل ليس هذا محلُّه-، أمّا الأول فهو إجراء شكلي يجب أنْ يُطبّق بشكلٍ صِرف، ولا مجال فيه للخطأ والنسيان، وقد تفصل فيه المحكمة من تلقاء نفسها.

وما يَحدُث من ممارسات عمليّة في (بعض) مكاتب وشركات المحاماة من إسناد (جميع) الأعمال الإجرائية للمرافعة (للأقل خبرة) من دراسة القضية ورسم خطة لها وإعداد صحيفة الدعوى، ورفع مُرفقاتها وغير ذلك، على أنْ يَكتفي المحامي الخبير بمُقابلة العميل وكتابة المذكرات وحضور جلسات الترافع فهو محلّ نظر !

(فالإعداد للمرافعة وفقًا للشكل المرسوم نظامًا -غالبًا- أهم من المرافعة ذاتها).

يقول إبراهيم الهلباوي بك -أول نقيب للمحامين المصريين- :

"الإعداد للمرافعة كالوضوء بالنسبة للصلاة، فكما لا تصِح الصلاة بلا وضوء، فلا مرافعة تردّ للناس حقوقهم بلا إعداد متينٍ مُنضبِط، وإدراك حقيقي لمواقع الخصوم والطلبات في القضية".

▫️وقد جاء في تسبيب حُكمٍ تجاري ما نصه:

"…، وبعد إفهام الحاضر بنص المادة (245) من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية والتي تنص على (في جميع الأحوال؛ لا يُقبَل من الأطراف تقديم أي طلبات أو بيّنات أو دفوع لم يتم إبداؤها قبل انتهاء الجلسة التحضيرية)".

▪️والمقترح بهذا الصدد الاعتماد على نماذج مُرتبّة وفقًا للتسلسل الزمني الوارد بالنظام؛ فهي تُساعد بشكلٍ كبير في ضبط أحكام النظام أولًا، وفحص القضية ومراقبة إجراءاتها، وأخيرًا التقليل من احتمالية الوقوع بالخطأ.

◻️فنمذجة العمل هي الحل، يقول في ذلك سيمون سينك:

"لا تستخدم الناس لبناء العمل، استخدم العمل لبناء الناس".

▪️مثال:

(نموذج عمل - إجراءات الدعوى التجارية من قبل قيد الدعوى حتى صدور حكم ابتدائي).

ويتضمن النموذج: الاختصاص - هل يجب رفعها من محامٍ - هل هي من الدعاوى التي تجب فيها المصالحة ، الإخطار - تحرير الصحيفة - تحديد الطلبات - البيّنات - تاريخ تقديم المذكرات - الدفوع الشكلية المؤقتة -… إلخ.

وغنيٌ عن القول أنّ -ما ورد أعلاه- لا يعني عدم إسناد بعض المهام للأقل خبرة، ولكن المقصود الإشراف بشكلٍ مُباشر ودقيق، مع توجيه ومراجعة لكل خطوة، ويكون الاعتماد الأخير لدى المسؤول عن القضية الأكثر خبرةً.

يقول مايكل كوردا :

"الميزة الوحيدة التي تجمع بين الناجحين في العالم تَكْمُن في قُدرتهم على تَحمُّل المسؤولية".

٢٥

جوابٌ أسرع إلى الفهم

سُئل (الخليل بن أحمد الفراهيدي) عن مسألة فأبطأ بالجواب فيها.

فقيل له: ما في هذه المسألة كل هذا النظر ؟

قال : فرغت من المسألة وجوابها، ولكني أُريد أنْ أجيبك جوابًا يكون أسرع إلى فهمك.

الآداب الشرعية ٢/١٥١

٢٦

لا يبدأ العدّ حتى يشعر بالألم

كان (محمد علي كلاي) جادًا في عمله بشكلٍ لا يُصدَّق، شاهدت ذلك عن كثب.

سُئِل -ذات مرّة- وهو يؤدي تمارين الضغط في النادي:

كم عدد تمارين الضغط التي تقوم بها؟

فقال: "لا أبدأ بالعد حتى أشعر بالألم" ..!

نعم .. إنّه لا يبدأ العد حتى يشعُر بالألم.

(هذا هو العمل الجاد).

• أرنولد شوارزنيجر

٢٧

شرط التحكيم وطريق التقاضي

1. بعد عدّة تجاربٍ في قضايا التحكيم، توّصلت لقناعة أنّ على (المحامي - الإدارات القانونية -...) عند صياغتهم لعقدٍ من العقود يتضمن شرط تحكيم أنْ يُحدَّد -في ذات العقد- اسم هيئة التحكيم (يُفضَّل مُحكَّم فرد) من أصحاب الخبرة والثقة والمعرفة ويرتضيه الأطراف.

أما إنْ تُرِك هذا الشرط (عامًا) فلا أملك إلا أنْ أقول: أعان الله الخصوم.

2. مع تطوّر الخدمات العدلية في وزارة العدل من التبليغ الإلكتروني، وحضور الجلسات -عن بُعد- إلى تقديم المذكرات عبر نظام ناجز، وكذا إجراءات الكتابة للجهات ذات العلاقة، وندب الخبرة ونحوه، وسُرعة الفصل بالقضايا، فضلًا على ما يتمتّع به القضاء من ضماناتٍ بتعدّد درجات التقاضي،؛ فإنّ خيار التقاضي بالمحاكم -حاليًا- أفضل، (وقد يكون أسرع) للخصوم.

3. فإجراءات التحكيم إنْ كانت -كما هو الحاصل غالبًا- من تعيين مُحكّم من قِبَل المُحتكِم، ثم مخاطبة المُحتكم ضده لتعيين مُحكّم، وفي حال عدم الاستجابة، يتوجّه المُحتكِم لمحكمة الاستئناف لتعيين مُحكَّم عن المحتكم ضدّه، ثم بعد ذلك يختار الحكمين الحكم الثالث (رئيس الهيئة)، وفي حال عدم اتفاق الحكمين، يُرفع -مرةً أخرى- للمحكمة المختصة لتعيين رئيس الهيئة، ثم تُخاطب المحكمة عدّة مُحكّمين، وقد تختار أحدهم، ويعترض أحد الخصوم لوجود خصومة أو مصلحة أو قرابة معه …. .

4. وبعد اختيار هيئة التحكيم تجتمع الهيئة ثم تُرسل وثيقة التحكيم للأطراف والتي تتضمن معلومات التواصل وإجراءات السير وآلية تبادل المذكرات ومدة التحكيم ومكانه وغيرها.

5. ثم تتداول الدعوى لدى هيئة التحكيم -عادةً- من ثلاث إلى ستة أشهر ، وبعد ذلك يُغلق باب المرافعة ويصدر الحكم.

6. وبعد صدور حكم التحكيم يحتاج أطراف التحكيم إلى (15) يومًا لإيداع حكم التحكيم من قبل هيئة التحكيم، ثم إلى (60) يومًا -بعد تبليغك بالحكم- تكون مدةً لدعوى بطلان حكم التحكيم.

وبعد انتهاء المدة وتحديد موعد جلسة بطلان حكم التحكيم، يأتي تأييد الحكم بصفةٍ نهائية ليكون قابلًا للتنفيذ.

(أما في حال بطلان حكم التحكيم -طبقًا للأسباب الواردة بالمادة 50 من النظام- فهذا موضوع آخر وتفصيله طويل).

▫️جميع ما سبق من الناحية الشكلية لدعوى التحكيم، وبعيدًا عن الناحية الموضوعية، وإمكانيات المُحكَّمين، وخبرتهم، وقدرتهم على إدارة الدعوى، والالتزام بالنظام وإجراءاته، وفهمه، وتنزيله على الواقعة المعروضة، ومن ثم الوصول إلى نتيجةٍ سليمة (يسبقها) التسبيب الواقعي والشرعي والنظامي.

▫️وغنيٌ عن القول أنّ -ما ورد أعلاه- لا يشمل (كل) قضايا التحكيم، ولا (كل) المُحكَّمين، ولكن هي (وجهة نظر) من واقع لامسته بعد ممارساتٍ متنوعّة، وتجارب مختلفة.

٢٨

الأخلاق جزء من المحاماة

"إنني أدنو من القبر،، لكن ضميري ليس مستريحًا على الإطلاق".

في قُصاصةٍ قرأتها من كتاب، كتَبَ فيها (العميل) عن مُحاميْه الذي يُدعى آرثر:

إنّ (آرثر) من المحامين القُدماء، ذاك الجيل الذي اعتبَر مُمارسة الأخلاق جزءًا من المحاماة، وما فعله معي كان جزءًا من هذا المبدأ.

٢٩

ثلاث نصائح

النصيحة الأولى: تخصص القانون ليس محاماة فقط.

النصيحة الثانية: المحاماة ليست ترافع وتقاضي فقط.

النصيحة الثالثة: لا تنسَ النصيحتين أعلاه.

٣٠

أنا القيمة

رجل الأعمال جيم رون بعد أنْ خسر كُل شيء في سن الـ 33:

"أنا الذي صنع الملايين مرّة، وسأصنعها ألف مرّة ؛ لأنني أنا القيمة.

إنْ أخذوا منك المال، فلن يستطيعوا أخذ المهارات والعقلية والشخصية التي بنيتها، ولهذا يُمكنك إعادة صناعته مجددًا".

كيف أعاد بناء ثروته؟

1. ركّز على تقديم المعرفة والمهارة للآخرين بدلاً من مُطاردة المال الصرف.

2. بدأ يُقدِّم محاضرات في تطوير الذات واستراتيجيات النجاح المالي.

3. أسّس عِدّة مشاريع، وألّف كتبًا أصبحت من الأكثر مبيعًا، ليُصبح واحدًا من أثرى وأشهر الشخصيات في مجاله حتى وفاته عام 2009م.

٣١

من الأوامر إلى الوكلاء الذكيين

نمرّ اليوم بمسار تحوّل سريع يُعيد تشكيل المنافسة المهنية؛ البداية كانت من قدرتنا على صياغة الأوامر (Prompts) واستخراج المعلومات، لكن الفارق الحقيقي يتشكل الآن في الانتقال نحو الوكلاء الذكيين (AI Agents).

الفارق الجوهري أن الأوامر التقليدية تشبه طرح سؤال وتلقي إجابة لحظية، بينما الوكيل الذكي يعمل بمثابة "مساعد مستقل"؛ يستوعب سياقك المهني الكامل، يحلل الهدف، ويتنقل بين الأدوات والملفات لإنجاز المهمة كاملة وفق معاييرك.

فعلى سبيل المثال، بدلًا من تحليل عقد أو دراسة خطوة بخطوة عبر عشرات الأسئلة والأوامر المتتالية، تكتفي بتكليف الوكيل بالهدف النهائي: "راجِع هذا المستند، وطابِقه مع المعايير والأنظمة المعتمدة لدينا، واستخرج نقاط المخاطر، ثم صَغ لي تقريرًا نهائيًا بأسلوبي المعتاد". فيتحرك الوكيل ذاتيًا بين قراءة الملف، ومطابقة النصوص، وصياغة المخرجات بالأسلوب المطلوب ليعطيك النتيجة جاهزة للاعتماد.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي:

من لم يدخل اليوم في مرحلة إتقان الأوامر ويألف التعامل معها، سيجد صعوبة كبيرة في قفز الفجوة ومواكبة مرحلة الوكلاء غدًا. التكنولوجيا تتسارع، والمزية التنافسية القادمة لن تكون لمن يستدعي المعلومة، بل لمن يمتلك وكيلًا خبيرًا يُضاعف إنتاجيته ويختصر سنوات من العمل التقليدي.

المسار المهني يتطلّب السبق والاستعداد دائمًا.. كن من الأوائل.

٣٢

الكتابة تسحب التضخّم

كانت الأساطير اليونانية تنتقل شفهيًا لسنواتٍ طويلة، حتى دُوّنت في نصوص، مثل ملاحم هوميروس. والشيء المثير في الكتابة أنها تُخرج الفكرة من عالم الكلام المتضخم إلى شيء يمكن أنْ تراه أمامك وتفحصه.

وهذا يحدث معنا أيضًا.

قد تضع في رأسك: عملي متعب، عندي نقص في كذا، وعندي مشكلة أخرى… ثم تستمر الأفكار واحدة وراء الأخرى، حتى تشعر أنْ حياتك كلها مشاكل.

لكن اكتبها.

قد تكتشف أنها مشكلتان أو ثلاث فقط.

وتقول: «أوه… هذه هي كل مشاكلي؟ طيب، وباقي 885,479 شيء في حياتي ما عندي مشكلة معه!»

الكتابة لا تحل المشكلة بالضرورة، لكنها تسحب منها التضخم الذي صنعه التفكير -الشفهي- المتواصل.

أحيانًا لا تحتاج أنْ تُفكِّر أكثر؛

تحتاج فقط أنْ تَكتُب.

٣٣

الحرمان صورتان

"أيها الباحثُ عن قَبول ووظيفة أو أي فرصةٍ، ثم لم يدركها:

الحرمان صورتان:

- أن يفوتك الشيءُ.

- وأن يضيق وعيُك حتّى لا ترى الخير إلّا فيه.

والأولى تؤلمك مدّةً وتزُول، والثّانية تستعبدك أبدًا؛ لأنّك لا تعود طالبًا لحاجة، بل أسيرًا لصورةٍ واحدةٍ من صور قضائها.

والإنسانُ إذا اشتدّ قلقُه ضاق خيالُه؛ فلا يعود قادرًا على تصوّر مخارجَ لم يرها، ويظنّ أنّ عجزه عن تخيّل الفرَج دليلٌ على استحالته، مع أنّ أكثر تحوّلات الحياة لم تأت من الأبواب التي ظلّ أصحابُها يحدّقون فيها، بل من أبوابٍ لم تكن داخلةً في حسابهم أصلًا.

ولهذا لا يربّيك التّوكّل على ترك الأسباب، بل على ردّها إلى حجمها الطّبيعيّ: فهيَ أبوابٌ لا أربابٌ، ووسائلُ لا ضماناتٌ.

وهذا هو المعنى الدّقيق في وصيّة يعقوب عليه السّلام لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾؛ أخذ بأوسع ما عرف من التّدبير، ثمّ نزع من نفوسهم وهمَ العصمة بالأسباب فقال: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، فالأبوابُ في اليد متعدّدة، لكنّ البابَ الذي يتّجه إليه القلبُ واحد.

ومن أعمق ما يعيد ترتيبَ الرّغبة في النّفس خاتمةُ دعاء الاستخارة: «واقدُر لي الخيرَ حيث كان، ثمّ أرضِني به»، فأنت لا تطلب من الله أن يبارك اختيارك فحسب، بل أن يحرّرك من اختيارك إن كان الخيرُ في غيره، و«حيث كان» إعلانٌ بأنّ الخير قد يكون في جهةٍ لم تنظر إليها، و«أرضِني به» اعترافٌ بأنّ المشكلة لا تنتهي دائمًا بحصول الخير؛ فقد يأتيك الخيرُ ويبقى قلبُك معلّقًا بما فات، فتعيش داخل النّعمة بروح المحروم.

ابذل السّببَ كاملًا، لكن لا تسلّمه قلبك، وألحّ في الدّعاء، لكن لا تحوّل الإلحاحَ إلى اعتراضٍ مؤدّب العبارة، فقد يبقى البابُ مغلقًا، ولا يأتيك تفسيرٌ يرضي فضولك، لكنّ الله يفتح فيك ما هو أبقى من فتحه: سعةَ التّصوّر، وحرّيّةَ القلب، وهدوء الثّقة، والقدرةَ على مواصلة الطّريق من غير أن تظلّ واقفًا عند عتبته.

وحينئذٍ تدرك أنّ نجاتك لم تكن في أن يُفتح لك بابٌ بعينه، بل في ألّا تُغلق رحمةَ الله داخل بابٍ واحد: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾".

٣٤

الذكاء أن تحيا متّزنًا

يطرح د. واين داير -استشاري علم النفس- مفهومًا مُختلفًا للذكاء: فالمقياس الحقيقي -للذكاء- ليس الشهادة ولا حصيلة المحفوظات ولا سُرعة حلّ المسائل، وإنما قُدرة الإنسان على أنّ يحيا سعيدًا فعّالًا في كل يوم من أيام حياته. ويستشهد بأنّ سجلات مستشفيات الأمراض النفسية مكتظة بحاملي الدرجات العلمية الرفيعة، تمامًا كغيرهم مِمَّن لا يحملونها.

فالذكي بهذا المعنى لا يَقيس نفسه بقدرتهِ على حلّ كُل مشكلة، بل بقدرتهِ على الاحتفاظ بتوازنهِ حين تستعصي المُشكلة على الحل، وعلى اختيار السعادة -أو على الأقل رفض التعاسة- في مواجهة ما لا يُحَل.

وفي مهنتنا تحديدًا يُصبِح هذا المعنى ضرورةً مهنيّة لا ترفًا شخصيًا؛ فالمهني المُتمكِّن هو من يُغادر عمله مُحتفظًا بصفاء ذهنه وسلامة نفسه، مستعدًا ليوم الغد بشكلٍ طبيعي.

٣٥

البلاغة قلّة الكلام

"كان يتكلّم كثيرًا ولا يقول شيئًا"

تَكلَّم ربيعة يومًا فأكثر الكلام، فأعجبتهُ نفسه، وإلى جنبه أعرابيّ، فقال له:

يا أعرابي ما تعدّون البلاغة؟ فقال: قِلّة الكلام. قال: ما تعدون العَيّ فيكم؟ فقال: ما كنتَ فيه مُنذ اليوم..!

٣٦

المتدرّب وجلب العملاء

الأصل أنّ المُتدرِّب لا يُناط به جلب العملاء ولا البحث عنهم، فالنظام حدَّد أنّ دوره يتمثَّل في التدرّب وتقديم الأعمال القانونية تحت إشراف المحامي المُرخّص، سواءً في الترافع أو تقديم الاستشارات ونحو ذلك.

وحتى لو حصل أنْ جلب المتدرّب عميلًا أو أكثر، فهذا يظل (استثناءً) لا يُبنى عليه، ولا يُمكن التعويل عليه كمَسلَك عملي؛ لأنه يُشغله عن الغاية الأساسية من فترة التدريب: التعلُّم، وصقل المهارات، وفهم المهنة بعُمق.

كما أنّ الانشغال المُبكِّر بجلب العملاء قد يُحقِّق -للبعض- منفعة وقتيّة أو وضعًا مادّيًا أفضل، يُؤثِّر عليه، ولعل الأجدر بالمتدرّب أنْ يُركّز في هذه المرحلة على اكتساب الخبرة، فالمهنة ستُكافئه لاحقًا بما هو أعظم من أي مكسبٍ عاجل، خاصةً أنّ مدة التدريب يسيرة (سنتين).

وغنيٌّ عن القول أنّ ما سبق لا يعني أنّ المُتدرِّب لا يستحق نسبة عند جلبه لقضية أو عميل لمكتبه، فهذه حالة تُؤخذ منفردة ويُتفق عليها في حينها، كما يُتفق مع غير المتدربين، لكن المقصود ألّا تكون هذه مهمة أصيلة، ولا هدفًا يشغل المتدرّب عن الغاية الأسمى: (بناء أساسه العلمي والمهني).

وأكبر خطر قد يُهدّد عملية التدريب هو أنْ يتقمّص المُتدرِّب (ذهنيّة صاحب المنشأة) ؛ فالمُتدرِّب في هذه المرحلة بحاجةٍ إلى التفرّغ للتعلّم والتدرُّب وصناعة الكفاءة. فإذا سبق ذهن المُتدرِّب التفكير في الإيراد والعميل، غلبت عليه لغة الأرقام وضَعُفَت عنده لغة الحِرفة والمهنة.

ولعلّ المحامي المرخّص الذي يُشجّع هذه الذهنية يَظلِم المُتدرِّب من حيث لا يعلم؛ إذ يُحمِّله ما لا يدخل في أصل مُهمّته -على الأقل في هذه المرحلة-، ويُشغله عمّا يحتاجه فعلًا، وقد يَظنّ المُتدرِّب -لقلّة خبرته- أنّ المحامي أحسن إليه حين سمح له بجلب عميل أو منحه نسبة، فيفرح بالإيراد ويسعد بالمردود، لكنّه لا يُدرك أنّ هذا الطريق قصير النَّفَس، وأنّ الخسارة تظهر عند نهاية التدريب، فحينها تزيد رغبتُه بطلب المال بينما إمكانياته أقل من المطلوب؛ لأنه انشغل عن بناء رصيده المهني بالبحث عن العائد.

وقد قيل:"من شُغِل بغير المُهم ضيَّع الأهم".

٣٧

محرّك الدوبامين

تخيّل أن في عقلك محركًا صغيرًا اسمه (الدوبامين). هذا المُحرِّك لا يعمل بالوقود، بل يعمل بـ "التوقُّع".

هو ليس الشعور بالمتعة نفسه، بل هو الشغف الذي يسبقها.. هو الصوت الداخلي الذي يهمس لك: "قم وافعل ذلك، فالنتيجة ستكون رائعة!".

عندما تشم رائحة القهوة صباحًا، أو ترى إشعاراً على جوالك، يتحرك هذا المحرك فورًا ليمنحك الطاقة والدافع لتقوم وتتحرك. يظل يدفعك أثناء السعي، وحتى تنال ما أردت.. وبمجرد أنْ تحصل عليه، يهدأ المحرك ويعود لمكانه، لينتظر الهدف التالي.

باختصار: الدوبامين ليس هو "الوصول"، بل هو "الشرارة التي تجعلك تبدأ الرحلة".

يخلط البعض بين الدوبامين والسيروتونين:

الدوبامين: هو الرغبة في الحصول على شيء (الدافع للشغف والسعي).

السيروتونين: هو الرضا والاستمتاع بما تملكه بالفعل (الهدوء والسكينة).

مثال :

في النادي: الدوبامين هو ما يجعلك تنهض من السرير وتذهب للتمرين (الدافع للإنجاز).

في التسوّق: الدوبامين يرتفع أثناء اختيار السلعة والانتظار، بينما ينخفض قليلاً بعد الشراء وتملُّك الشيء.

غلاف كتاب «صيام الدوبامين»
من كتاب «صيام الدوبامين»
٣٨

الثقة لا تقوم على الأداء

جاءت نتائج الاستطلاع طبيعية جدًا ومُتوقّعة؛ لأنّ أغلب الناس يعتقدون أنّ الثقة بالنفس تأتي من الأداء المُتميّز. فإذا نجحت، ازدادت ثقتك، وإذا أخطأت أو فشلت، ضعفت ثقتك.

لكن الفيلسوف الياباني إيشيرو كيشيمي في كتابه الحديث (شجاعة أنْ تكون عاديًا) يرى أنّ هذا النوع من الثقة هو أكثر أنواع الثقة هشاشة.

لماذا؟

لأنك ربطت ثقتك بشيءٍ ليس ثابتًا.

الأداء يتغيّر. قد يكون ممتازًا اليوم، وعاديًا غدًا، وقد يتأثر بعوامل كثيرة لا علاقة لها بك أصلًا. فإذا أصبحت ثقتك مرتبطة بالأداء؛ فستعيش في خوفٍ دائم من اليوم الذي لن يكون فيه أداؤك بنفس المستوى.

المشكلة ليست في النجاح، ولا في الأداء المُتميّز. المشكلة أنْ تجعلهما مصدر قيمتك وثقتك بنفسك.

وكما يقولون: "إذا كانت ثقتك بنفسك تنبع مما تراه في المرآة فقط، فأنت تضع قدرك في يد الزمن."

هل أنت مُستعِد لأنْ ترهن ثقتك للزمن وظروفه؟

فعندما تتأسَّس ثقة الإنسان (سواءً كان رجلاً أو امرأة) على شيء يتغيَّر ويَعْبُر مع الوقت، تتولّد لديه حالة من فقدِ هذا المُتغيَّر، مِمّا يجعل هذه الثقة ظاهرة فقط، وهشة جدًا من الداخل.

فإذا بنيت ثقتك على (القوة)، فستخاف من الضعف.

وإذا بنيتها على (الجمال)، فستخاف من التقدُّم في العُمر.

وإذا بنيتها على (المال)، فستخاف من الخسارة.

وإذا بنيتها على (الإنجاز)، فستخاف من الفشل.

لأنّ أي شيء يُمكن أنْ تفقده، لا يصلُح أنْ يكون أساسًا لثقتك بنفسك.

لهذا، فالأداء يمنحك خبرة، ويزيد كفاءتك، ويطوّر مهاراتك، لكنه لا يمنحك الثقة الحقيقية.

الثقة الحقيقية هي أنْ تعرف قيمتك حتى عندما لا يكون يومك الأفضل، وأنْ تتقبّل نفسك في النجاح كما تتقبّلها في الفشل. أمّا الثقة التي لا تعيش إلا مع الإنجاز، فهي ليست ثقة، بل شعور مؤقت يختفي بمجرد أنْ تختفي النتيجة.

يا صديقي تأمّل الأمر بهدوء، لا تستعجل !

هل ثقتك في حديثك نابعة من ذاتك، أم من توقعك أنك ستؤدِّي أداءً مُميّزًا؟

كثير من الناس يتحدَّث بثقة عندما يشعر أنه مُستعد فقط، لكنه إذا شكّ في أدائه، تردّد، وآثر الصمت أو الابتعاد.

ثم تأتي طبيعة الحياة؛ فلا أحد يبقى في أفضل مستوياته دائمًا. فإذا كانت ثقتك مُرتبطة بالأداء، تراجعت كلما تراجع أداؤك.

قد تقول: لكن هناك أشخاصًا يبدون واثقين دائمًا..!

وهذا صحيح، لكن ليس لأنّ أداءهم لا يضعف، بل لأنّ ثقتهم لا تقوم على الأداء أصلًا، وإنما على شعورهم بقيمتهم. لذلك قد يتراجع أداؤهم أحيانًا، لكنهم لا يفقدون ثقتهم بأنفسهم.

نعم

[ قد يتراجع أداؤهم أحيانًا، لكنهم لا يفقدون ثقتهم بأنفسهم؛ لأنّ ثقتهم لا تقوم على الأداء أصلًا، وإنّما على شعورهم بقيمتهم.].

غلاف كتاب «The Courage to Be Ordinary»
من كتاب «The Courage to Be Ordinary»
٣٩

الرضا الذي يُجهز على الحلم

"منطقتنا لم تعرف مشاهيرَ قبلي، أنا أوّلهم وأعتقد أنني سأكون آخرهم، البيوت في حيّنا ذات أسقف مُنخفضة وكذلك طموح ساكنيها، أعرف الجميع فأنا وُلدت هنا ولم أُغادِر، طول المُعاشرة جعلني أفهم طبائع البشر، الرضا (يُجْهِزُ) على الحلم، الخوف من خوض التجربة (يئدها)".

*الرضا في أصلهِ قيمة محمودة، لكنه هنا يأتي بمعنى القناعة السلبية التي تورث الركود. عندما يرضى الإنسان تمامًا بأسقف بيوته المنخفضة وبحدود واقعه الضيّق؛ يفقِد "الجوع" أو الرغبة الشديدة في التغيير والتطوير، وهو الوقود الأساسي الذي يُغذِّي أي حلم.

٤٠

الطريق الذي يتبعه الناس

القيادة ليست في أنْ تكون الأفضل بين المجموعة، بل في (القُدرة) على أنْ تجعلهم أفضل مِمّا كانوا.

يقول سيمون سينك:

لن يتبعك أحد لأنك تملك المنصب، بل لأنهم يؤمنون أنّك تعرف الطريق.

الطريق؟

ما هو الطريق ..!

ما ذكره (سيمون سينك) واضح، لكنه في الوقت ذاته خطير ..!

ومكمَن الخطورة: أنّ الإيمان بالقائد لا يولَد تلقائيًا، ولا يُمنَح بمجرد أنْ يُعلن أحدهم نفسه قائدًا ؛ إنه يُكتسَب عبر التجربة، عبر لحظات (الأمان) التي يصنعها القائد حين يُثبِت أنه لا يقود مَن معه إلى المجهول، بل إلى غاية. (متى يُثبِت؟ كيف يُثبِت؟ ما هي الغاية؟ هذا تفصيله طويل).

فالناس لا تتبعك لأنك في المقدمة، بل لأنهم جرّبوا أنْ يتبعوك فلم يضيعوا.

ومن هنا يبدأ الإيمان الحقيقي: إيمان بالاتجاه، لا بالشخص نفسه.

حين يُدرك الفريق أنّ قائدهم يرى ما لا يرونه، ويهتم بما يغفلون عنه، يطمئنّون له؛ لأنّ رؤيته تُطمئنهم.

الخطر في الفكرة أنّ كثيرًا من القادة يريدون أنْ يُؤمن الناس بهم قبل أن يقدّموا ما يستحق الإيمان، فيعتقد -واهمًا- أنّ مجرد خبرته، نجاحاته الشخصية، شُهرته، وسُمعته في المجال ستجعله قادرًا على التأثير لمن يعمل معهم.

كيف أخلق البيئة المناسبة؟

قال (مارك توين) مازحًا ذات مرة: "فعل الشيء الصحيح رائع، لكن تعليم الآخرين أن يفعلوا الشيء الصحيح أكثر روعة، وأسهل بكثير”. وأنا لدي نتيجة بديهية لفكرة (توين): "قيادة الآخرين لفعل الشيء الصحيح رائع، وفعل الشيء الصحيح وقيادة الآخرين أكثر روعة وأصعب بكثير". ومثل (توين)، أدركت أنّ الانضباط الذاتي لفعل الشيء الصحيح ثم تعليم الآخرين أنْ يفعلوا الشيء الصحيح صعب بسبب الطبيعة البشرية، فيُمكن أنْ يختلق الجميع أعذارًا لعدم إعطاء المحيطين بهم وقتًا أو جهدًا، ويعرف القادة المتميزون الصعوبات ويشجعون الموظفين على أية حال، ويعرفون أنّ هناك أشخاصًا سيستجيبون بشكلٍ إيجابي لما يُقدِّمونه، ويركزون على تلك النتائج الإيجابية.

القُصاصة لجون سي ماكسويل، الملقّب بـ (خبير القيادة الأول في العالم).

٤١

في التخلّي تجلّي

"في التخلّي تَجلّي"

عندما تَفْلِت يدك من كُل شيء تتمسَّك به، ويستنزف طاقتك، ستشعُر بنشوة الحرية.

عندما تتوقَّف عن إبهار الآخرين، وتبدأ في العيش وفقًا لقيمك الخاصة، سيظهر ويتجلّى شعور الراحة.

عندما تتخلى عن إثبات صحة مُعتقداتك للآخرين، وتختار ما يسعد قلبك، ستشعر بخفَّةِ الروح.

والله إنْ التعلُّق بغير اللّٰه أول طريق الهلاك.

لا تتعلَّق بحلمٍ ولا بشخص، تَعلّق بالخالق، وسلّم أمرك له، واجعل الرضا والتقبُّل هو ردّة فعلك.

وإنْ فات شيء؟ فَتيقَّن -دائمًا- أنه خير لك.

يقول عليه الصلاة والسلام:

"عجبًا لأمر المُؤمِن إنّ أمْرَهُ كله خير، وليس ذلك لأحدٍ إلّا للمُؤمِن، إنْ أصابَتهُ سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإنْ أصابَتهُ ضرّاء صبر فكان خيرًا له".

٤٢

الكفاءة شرط في المحامي

يقول سعادة المحامي فيصل المشوّح في كتابه «الكرسي الساخن» في معرض حديثه عن الأحكام النظامية لعضو مجلس الإدارة، إنّ من الشروط التي يُفضَّل توافرها فيه: الكفاءة.

وأرى أنّ ما يُعَد في عضو مجلس الإدارة شرطًا يُفضَّل توافره، فإنّه في المحامي شرطٌ يَلزم توافره؛ إذ تقوم المهنة في أصلها على الكفاءة العلميّة والعمليّة.

الكفاءة:

وهي إحدى المهارات الجوهريّة التي يجب أنْ تتوافر في المحامي، بحيث يكون قادرًا على إدارة ملفاته وقضاياه بفعالية، وتحديد أولوّيات الأعمال، واتخاذ القرارات المهنيّة في الوقت المناسب، وضمان أنْ تكون اجتماعاته العمليّة مُنتجة ومُركّزة -سواءً مع العملاء أو فريق العمل-، كما يجب أنْ يمتلك القُدرة على تحليل الوقائع والنصوص النظامية، وتبسيط المسائل القانونية، وتحقيق أفضل استثمار لوقته وموارده، بما يضمن تقديم خدمة قانونية عالية الجودة، إلى جانب امتلاكه المؤهلات العلمية والخبرات العملية المرتبطة بمجالاتِ مُمارسته المهنيّة.

٤٣

الإطالة أم الاختصار؟

أيّهما أصعب الإطالة في المذكرات أم الاختصار ؟

يقول الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال:

"لم أجعل هذه الرسالة أطول إلا لأنني لم أملك الوقت لجعلها أقصر".

Je n'ai fait cette lettre-ci plus longue que parce que je n'ai pas eu le loisir de la faire plus courte. — Blaise Pascal

٤٤

إشارة أم ضجيج؟

▫️الرسالة: المعلومة الحقيقية التي تُساعدك على اتخاذ قرار أو فهم الواقع.

▫️الضوضاء : الأفكار والانفعالات والاحتمالات والسيناريوهات التي تستهلك انتباهك دون أنْ تُضيف معرفة حقيقية.

الفكرة إنّ النجاح في التفكير واتخاذ القرار يعتمد على القدرة على استخراج الرسالة من بين الضوضاء، وأنّ المعادلة هي:

المعرفة + الثقة + المخاطرة (المواجهة)= القدرة على التقاط الرسالة الصحيحة.

مثال:

إذا أساء إليك شخص، فالحقيقة المهمة (الرسالة) هي أنْ تواجهه أو تستوضح منه الأمر. أمّا الانشغال بتحليل النوايا، وتوقع الردود، وإعادة الموقف في ذهنك عشرات المرات، فهذه (ضوضاء) لا تُضيف شيئًا للحل.

وبناءً عليه فإننا في كل موقف نواجه نوعين من المعلومات:

الأول: معلومات ذات قيمة فعلية تساعدنا على فهم الواقع واتخاذ القرار، وهذه هي (الرسالة). والثاني: كمّ هائل من التوقعات والافتراضات والانفعالات والتفسيرات المحتملة، وهذه هي (الضوضاء). وكلما ارتفعت قدرتنا على التمييز بينهما، أصبحت قراراتنا أكثر دقة وأقل استنزافًا. والإنسان لا يتعثَّر غالبًا بسبب نقص المعلومات، بل بسبب عجزه عن فصل المعلومات المهمة عن التشويش المحيط بها.

الواقع يُرسِل إلينا إشارات قليلة، بينما العقل يُنتج تفسيرات لا حصر لها.

والحِكمة ليست في جمع مزيد من الأفكار، بل في معرفة أي الأفكار تُمثِّل الواقع وأيها مجرد صدى لمخاوفنا ورغباتنا.

فالمُتزن ذهنيًا لا يَملِك أفكارًا أقل من غيره، وإنّما يملك قدرة أفضل على فرز الإشارة من الضجيج، والحقائق من التأويلات، وما يستحق الفعل مما لا يستحق سوى التجاهل.

ولهذا فإن جودة الحياة وجودة القرارات ترتبط غالبًا بنسبة الرسائل التي نلتقطها إلى الضوضاء التي نتجاوزها.

٤٥

«يبدو أفضل»

حقيقة مزعجة:

أنطونيو غيليميس

لا يُحقِّق أكثر مَن يعرف أكثر.

يُحقِّق أكثر مَن يبدو أفضل.

"يبدو أفضل"

هذه الفكرة هي جوهر "النظرية المسرحيّة" (Dramaturgy) التي صاغها عالم الاجتماع إرفينغ غوفمان في كتابه The Presentation of Self in Everyday Life.

تعامل غوفمان مع التفاعلات اليوميّة ليس كأفعال عفوية، بل كأداء مسرحي مدروس يهدف إلى إدارة الانطباعات.

Conozco abogados brillantes que apenas llegan a fin de mes. Y abogados mediocres que facturan auténticas fortunas. Una realidad incómoda: No factura más quien más sabe. Factura más quien parece mejor. — Antonio Guillemes

٤٦

الشخص المناسب للتوجيه

يعتقد بعض أفراد العائلة أو الزملاء وغيرهم، أنّ عدم توجيهك المُستمر لهم سببه التمييز، أو عدم المحبة، أو أي تفسير آخر لا يعود إليهم هم أنفسهم.

بينما الحقيقة -باختصار- تتمثَّل فيما عبّر عنه جون سي ماكسويل بمفهوم: "الشخص المُناسب للتوجيه"، ويُشار إليه أيضًا لدى الكاتب بـ"القادة المُحتملين".

فليس كل شخص يُكثَّف معه التوجيه؛ لأنّ التوجيه بطبيعته استثمار فيمن يملك قابلية الالتقاط، والاستجابة، والتطور، وتحمُّل المسؤولية لاحقًا. لذلك يميل القائد -بوعي أو دون وعي- إلى منح وقته وجُهده لمن يرى فيهم بذور القيادة، لا لمُجرَّد القُرب أو المجاملة، بل لأنّ أثر التوجيه يظهر عليهم فعلًا.

٤٧

كيف تفكّر كقانوني

تُعَد مقالة "المنطق لطلاب القانون: كيف تُفكِّر كقانوني" (Logic for Law Students: How to Think Like a Lawyer) واحدة من المراجع المنهجية الجوهرية التي تُعيد الاعتبار للمنطق الصوري كأداة لا غنى عنها في التكوين الذهني للمُمارس القانوني.

وقد صدرت هذه الورقة البحثية بتضافر جهود بحثية وقضائية مُتميّزة، حيث يبرز في طليعة مؤلفيها القاضي روجيرو ج. ألديرت (Ruggero J. Aldisert)، وهو قاضٍ (فيدرالي)، وصاحب باع طويل في التأصيل للمنطق القضائي، وشاركه في الصياغة والبحث كل من ستيفن كلاوني وجيريمي بيترسون، بصفتهما باحثين قانونيين مُتخصصين خريجي أعرق كليات القانون (ييل وهارفارد).

2007/03/30م

▫️لقد عكفت كليات القانون منذ عقود على تعليم الطلاب "كيف يفكرون كقانونيين". وهذا المسعى لا يتعلّق بتلقين القواعد القانونية فحسب، بل يتمحور حول إتقان آليات الاستدلال التحليلي.

▫️إنّ جوهر التفكير القانوني يَكمُن في "المنطق"، وهو العِلم الذي يَحكُم مبادئ الاستدلال الصحيح. وعلى الرغم من أهميّته القصوى، إلا أنّ دراسة المنطق الصوري نادرًا ما تُدرَّس بشكلٍ صريح في المناهج القانونية المُعاصرة.

▫️ تَهدُف المقالة إلى سد هذه الفجوة عبر استعراض المبادئ المنطقية الأساسية التي تُشكِّل عماد العمل القانوني.

▫️ ما الذي نعنيه حين نقول فكر كقانوني؟ إننا نعني بذلك توظيف المنطق في التعامل مع الوقائع والقواعد القانونية.

▫️إنّ صميم العمل القانوني لا يَكمُن في حفظ النصوص، بل في القدرة على بناء الحُجج المنطقية وتفكيك حجج الخصوم.

إنّ تَرْك طلاب القانون يتخرّجون ويُمارسون المهنة دون دراسة قواعد المنطق، يُشبِه تمامًا مُطالبة شخص بتصميم مركبة فضائيّة دون أنْ يَدرِس قواعد الفيزياء.

٤٨

الشخصية قبل الموهبة

يتحدَّث إيلون ماسك عن أحد أكبر الأخطاء التي ارتكبها في مسيرته المهنية (خاصة عند التوظيف أو اختيار الأشخاص) ويقول:

"أكبر خطأ ارتكبته بشكلٍ عام، وأحاول تصحيحه، هو إعطاء وزن كبير لموهبة شخصٍ ما، وعدم التركيز بشكلٍ كافٍ على شخصيّته. لقد ارتكبت هذا الخطأ عِدّة مرات... وفي الحقيقة، أعتقد أنّ امتلاك الإنسان لقلب طيّب هو أمر مهم حقًا، لقد أخطأت عندما ظننت أحيانًا أنّ الأمر يتعلّق فقط بالذكاء."

٤٩

أفضل مراحل العمر

قد يبدو للوهلة الأولى أنّ القول :

(أنت في أفضل مرحلة - عمر بحياتك) يفتقر للمنطق ومُتناقض، وهو مُجرّد تنظير؛ فكيف تنطبق العبارة ذاتها على العشريني والأربعيني والخمسيني في آنٍ واحد؟ وعلى الطالب والخبير؟ وهل من المعقول أنْ يظل (العمر - المرحلة) الأفضل يلاحقنا كلما تقدّمنا في السن؟

الاعتراض هنا وجيهٌ إذا نظرنا للأفضلية كمقارنة رقمية ثابتة، لكن الإشكال يزول متى ما أدركنا أنّ (الأفضلية) هنا ليست حُكمًا زمنيًا مُطلقًا بل هي (أفضلية الإمكان المُتاح).

المقصود ليس تفضيل سنٍّ على آخر من حيث القوة أو المكانة، بل إنّ العمر الذي تسكنه الآن هو الأفضل لسببٍ جوهري؛ لأنه المساحة الوحيدة التي تملك فيها فعليًا سُلطة القرار والعمل. فكل مرحلة تمنح صاحبها امتيازاً لا يملكه غيره:

▫️في العشرينات: تكمن الأفضلية في طاقة البناء، ومرونة التعلُّم، والرغبة بالتجربة.

▫️ في الثلاثينات: تتجسد الأفضلية في مرحلة التمكين؛ حيث تتبلور الهوية المهنية، وتتحوّل التجارب إلى خبرات نوعية، ويُصبح العمل أكثر تركيزاً وإنتاجية.

▫️في الأربعينات: تتجلّى في توازن الشخصية، ودقة الاختيار، والقدرة على التأثير المهني.

▫️في الخمسينات وما بعدها: تتبلور في مِحكّ الحكمة، وتجلّي الأولويات، ونقل الخبرة العميقة.

وعليه، لا يوجد تناقض؛ فمعيار الأفضلية يتبدل بتبدُّل الإنسان واحتياجات مرحلته.

عندما نقول إنْ عمرك بعد عشرين سنة سيكون هو الأفضل، فنحن نؤكد حقيقة أنك ستكون حينها في ذروة (نسختك الجديدة) بمعطياتها الخاصة.

التناقض أو التنظير لا يقع إلا إذا افترضنا أنّ المعيار ثابت، وهو ليس كذلك.

وغني عن القول أنّ هذه التقسيمات أو السمات لكل عقدٍ عمري ما هي إلا نماذج - أمثلة تختلف باختلاف الظروف والقدرات؛ فليس الغرض منها وضع سياج زمني حول إمكانياتك، بل الغرض هو التنبيه إلى أن (الفرص - الخيارات) موجودة في كل مرحلة، وأنك في كل سنّ تملك ميزة فريدة لن تتكرر (نفسها) أبدًا.

فقد يجد الثلاثيني نفسه في ذروة حكمة الخمسين، وقد يمتلك الخمسيني طاقة وشغف العشريني؛ فالمسارات الإنسانية والمهنية لا تسير دائمًا في خطوط مستقيمة، ولا تخضع لساعة زمنية موحدة للجميع.

٥٠

الطموحون الكسالى

من أخطر الجُمَل التي سمعتها (الطموحين الكُسالى).

جملة تختصر أشياء كثيرة جدًا.

أنْ تكونَ (طموحًا) فهذا شيء جيّد، أنْ تكون (كسولًا) فهذا من أبسط حقوقك.

أنْ تكون طموحًا كسولًا فهذا الله أعلم بضرره على النفس وعلى من هم حولك.

الطموح الكسول :

1. غير قانع.

2. كثير التذمّر.

3. ينشر السلبية.

4. ينظر إلى ما لدى الغير ، (لماذا ينظر) ؟ ؛ لأنه يعتقد أنّه فعل ما يفعلونه ولكنه لم يحصل على ما حصلوا عليه ، (والصحيح أنّ لديه طموح فقط)، (والواقع لم يفعل شيئًا) ، أو لم يصبر على ما فعل ، أو فعل وترك ، لا يعرف الاستمرارية، والمعرفة التراكمية.

الطموح الكسول:

يُريد (وصفة) نجاح جاهزة ومباشرة وواضحة، مع بيئة مُحفزة ، ومكان عمل راقي، وبعد ذلك (ربما) يعمل ويُنجز.

المشكلة أنّه لن يُعطيك أحد ذلك غير والديك حفظهما الله ورعاهما وغفر لهما أحياءً وأمواتًا، فلا تنتظرها من غيرهما من البشر.

٥١

الأسئلة الخمسة

نموذج الأسئلة الخمسة (The Five Whys) هو مفهوم صنعه (ساكيشي تويودا)، مؤسس شركة Toyota Industries في ثلاثينيات القرن الماضي، ثم طوّرها على شكل نموذج عمل مهندس تويوتا (تاييتشي أونو) لاستكشاف العلاقات بين السبب والنتيجة بشكل مُتسلسل، والوصول إلى السبب الجذري لأي مشكلة.

فكرتها بسيطة لكنها فعّالة:

عند وقوع مشكلة، لا تكتفِ بالعرض الظاهر، بل اسأل “لماذا؟” خمس مرات متتالية لتصل إلى السبب الجذري الحقيقي.

مثال تطبيقي من تويوتا -منقول- :

افترض أنّ خط التجميع توقف:

1. لماذا توقفت الآلة؟

لأن الفيوز احترق.

2. لماذا احترق الفيوز؟

لأن المحرك كان يسحب تيارًا عاليًا أكثر من المعتاد.

3. لماذا يسحب المحرك تيارًا عاليًا؟

لأن محامله (Bearing) غير مزيّتة جيدًا.

4. لماذا لم تُزيَّت المحامل جيدًا؟

لأن نظام التزييت لم يضخ الزيت كما يجب.

5. لماذا لم يضخ نظام التزييت الزيت كما يجب؟

لأن هناك انسدادًا في الفلتر لم يُنظَّف بانتظام.

النتيجة:

المشكلة الجذرية هي ضعف الصيانة الوقائية، وليس مجرد احتراق الفيوز.

مثال عملي مهني

المشكلة:

العميل اشتكى من تأخر الرد على استشارته القانونية لمدة أسبوع عن الموعد المُتفق عليه.

التحليل بخطوات (الخمسة لماذا):

1. لماذا تأخر الرد؟

لأن المستشار المسؤول لم يُرسِل المذكرة في الوقت المحدد.

2. لماذا لم يُرسلها في الوقت المحدد؟

لأنه كان يعمل على ثلاث ملفات أخرى عاجلة في نفس الأسبوع.

3. لماذا كان عليه العمل على ثلاث ملفات عاجلة في وقت واحد؟

لأن المكتب لا يملك نظامًا واضحًا لتوزيع المهام وتحديد الأولويات بين الفريق.

4. لماذا لا يوجد نظام لتوزيع المهام؟

لأن الإدارة تعتمد على التنسيق الشفهي والاجتهاد الفردي بدل إجراءات مكتوبة أو صلاحيّات مُحددة أو هيكل تنظيمي.

5. لماذا تعتمد الإدارة على الاجتهاد الفردي؟

لأن سياسة التشغيل لم تُحدَّث منذ إنشاء المكتب، ولم تُبنَ على معايير تشغيل قانونية حديثة تتناسب مع حجم الأعمال، أو … .

النتيجة:

السبب الجذري للتأخر ليس المستشار القانوني، بل غياب (نظام تشغيلي - هيكل تنظيمي - حوكمة للعمل - …) يضمن تحديد الصلاحيات، وتوزيع الأعمال بين الفريق، والرقابة، والمتابعة.

العدد (خمسة) ليس ثابتًا، قد تصل للحقيقة بعد ثلاث أو سبع أسئلة.

المصدر: orcalean.com

٥٢

عدم اللقافة المهنية

سألني أحدهم :

ما هي الصفة أو السِّمَة التي وجدتها أو لاحظتها في أغلبيّة الناجحين مهنيًا؟

فقلت:

يتميّز أغلب الناجحين مهنيًا بعدم اللقافة -أي لا يتدخّلون فيما لا يخصهم بشكلٍ مُباشر-.

قد يسأل أحدكم:

ما علاقة اللقافة بالنجاح من عدمه؟

الملقوف ينشغل بالآخرين أكثر من الانشغال بنفسه، ولا يعلم هو أنّه مُنشغل عن نفسه؛ لأنه لا يجد وقت ذلك.

وقد يسأل أحدكم:

ما هو المثال أو التطبيق الذي يحصل على أرض الواقع حتى تتضح الصورة؟

1. دائمًا يعيش -الملقوف مهنيًا- دور المدافع عن أي شيء.

2. تستفزه أمور كثيرة بالحياة، وهي غير مُوجَّهة له.

3. يعتقد أنّ عليه التعليق على أي حادثة أو موقف أو فكرة لم تعجبه.

مثال يتكرَّر:

- إذا رأى الملقوفُ تغريدةً لعرضٍ وظيفي بأجرٍ يراه (قليلًا)، رأى أنّ عليه التعليق عليها.

- وإذا رأى من يطلب مواصفاتٍ معيّنة لوظيفة -لا تتوافر فيه غالبًا-، كاللغة أو الشهادات الاحترافية، استُفِزّ وردّ بحدّة: (لماذا كل هذه المتطلبات؟ والراتب لا يستحق)، ولو سألته: هل تعرف كم الراتب؟ ومن أين عرفت أنه قليل والتغريدة لم تذكر ذلك؟ لقال: هذا واضح، فكل الرواتب كذلك.

- وإذا سألته في المقابلة الوظيفية: لماذا تركت عملك السابق؟ أسهب في الحديث عن أسوأ ما فيه، وأنهم لم يمنحوه، ولم يقدّروه، ولم…، مع أنّ هذا ليس المقصود من السؤال.

- وإذا كان الملقوف (رجلًا) والمطلوب للوظيفة (امرأة)، علّق وفنّد وذكر أسبابًا كثيرة لا علاقة لها بالتغريدة، سياسيةً واجتماعيةً وعنصرية، والعكس صحيح.

وميزة ألّا تكون ملقوفًا مهنيًا لا تقتصر على عدم الانشغال بالآخرين، بل تمتد إلى القدرة على اكتشاف ذاتك؛ لأنك منشغل بها دون غيرها. وقد يعتقد الملقوف مهنيًا أنه منشغل بذاته وأنه يتطوّر تطوّرًا طبيعيًا، لكنه لو جرّب -عدم اللقافة- لاتّضحت له أشياء كثيرة في نفسه لم يكن منتبهًا لها سابقًا.

جرّب، ولن تخسر.

كيف أجرّب ؟

حاول ألّا تستفزك أي تغريدة أو رأي أو فكرة.

وإذا استفزتك فلا تردّ في حينها؛ فإن كانت في الواقع فقل لنفسك: سأقولها له حين أراه في المرة القادمة، وإن كانت في مواقع التواصل الاجتماعي فقل لنفسك: سأردّ عليه الأسبوع القادم، وهكذا.

"الرغبة الدائمة في إبداء الرأي ليست علامة على الوعي، بل على القلق".

وللإنصاف:

في كلٍّ منّا نسبةٌ من اللقافة المهنية ولو بلغت 0.1٪، لكنّ العبرة بالنسبة وزيادتها، وبالوعي الذي يجعلك تستوعب وتقتنع بأنّ ما تفعله لقافة، فتسعى إلى التقليل منه قدر الإمكان، وهذا هو المطلوب. والمقصود دائمًا هو السمة الغالبة الظاهرة.

"السِّمَة هي نزعة عامة ثابتة نسبيًا تُعبِّر عن نفسها عبر مواقف مُتكررة؛ لا يعني ثباتها أنّ السلوك لا يتغيّر، بل أنّ الميل العام ثابت".

ولو سألت الملقوف لماذا تفعل ذلك؟

سيُجيبك -وبكل ثقة واقتناع-:"بدافع الإنسانية، حتى لو لم يمسّني الموضوع. أو: لا أقبل أن يُظلَم غيري بأجرٍ قليل. وغير ذلك". والواقع أنّ هذه الأسباب غير حقيقيّة -حتى لو ادّعينا ذلك-، والسبب الرئيسي أو الباعث لمثل هذه التصرفات؛ هو الخوف من المجهول أو المستقبل.

"عدم تحمّل اللايقين هو استجابات معرفيّة -انفعاليّة- سلوكيّة للغموض في الحياة اليومية".

استمتع بما تُحِب فقط، بما يُسعدك، علّق دائما على الشيء الجيد، واترُك السلبيات.

قبل عشر سنوات كنت أعاني من توتر وقلق وشتات مهني، ولم أجد المُرشِد والموجِّه. وكان أثر ذلك ظاهر للواعين، والواعين فقط. وقد نصحني أحدهم نصيحة للتاريخ، -وهي النصيحة الوحيدة منه- إلا أنّها غيّرتني تمامًا، وعلى أثرها حذفت الرد على شخصٍ ما، على الرغم أنّ الرد لا يوجد فيه أي إساءة لشخصٍ بعينه، وكنت متفق مع صاحب التغريدة، وكنت أعتقد في حينها أنها رسالة عاديّة طبيعيّة كتبتها بإرادتي الحُرّة، ولكن الصحيح أنّها كانت -للشخص الكيّس الفطين- علامة واضحة لشعور داخلي أعيشه. فأخذت بنصيحته وتعلّمت، ولا زلت أتعلّم.

تنبيه:

إذا استفزك هذا المقال!

فاعلم أنّك -غالبًا- ملقوف مهنيًا.

قد يقول قائل: هل يلزم أن يعجبنا كلامك يا سعود، وإلا صرنا ملاقيف مهنيًا؟

والجواب: لا.

ففي الحياة خيارٌ غير الإعجاب والاستفزاز، وهو: (عادي).

فلو قلت لك إنني لا أحب في الغداء إلا الأرز، فهل يلزم أن تعجبك الفكرة؟ لا. وهل يلزم أن تستفزك؟ لا. هي أمرٌ عادي. وكذلك هذا المقال، وتلك التغريدة، والفكرة، والرأي؛ دعها تمرّ عادية دون أن تستفزك، فبمجرد أن يستفزك شيء منها ففيك بذرة اللقافة المهنية، فاحذر من سيطرتها عليك.

أخيرًا:

عدم اللقافة المهنيّة هي أحد السمات الأربع التي إذا كنت تتمتَّع بها فاعلم أنّك تسير في طريق النجاح مهنيًا أو النمو المهني.

يوجد ثلاث سِمات قبلها سيتم تفصيلها في وقتٍ لاحق -بإذن الله-.

٥٣

أن تعرف ما لا تعرفه

"طالما كان الإنسان لا يعرف ما الذي لا يعرفه، فإنّه لا ينمو أبدًا."

• جون سي. ماكسويل

"معرفتك بأنّك تَجهَل الحقائق هي خطوة هائلة نحو المعرفة."

• بنيامين دزرائيلي (رئيس وزراء بريطانيا الأسبق)

٥٤

ما بعد التقاضي والترافع

هل تُريد دخلًا ثابتًا يزداد مع مرور السنوات بفارقٍ مُجزٍ؟

قلّل من اهتمامك بالتقاضي والترافع.

هل تبحث عن فرص أكبر في السوق القانوني؟

قلّل من اهتمامك بالتقاضي والترافع.

هل تطمح إلى تطوّر مهني مستمر وبشكلٍ احترافي؟

قلّل من اهتمامك بالتقاضي والترافع.

يا سعود: هل تقول هذا لأنّك لا تصلُح أو لا تحب التقاضي والترافع؟

لا، بالعكس، فأنا مُتخصِّص في التقاضي والترافع، و(مُعظَم) خبرتي فيهما، لكنني -أزعُم- فهم السوق واحتياجاته.

قد يُقال: يا سعود، ربما تقول ذلك حتى لا يكثر المنافسون؟

وأقول: ربما.

وفي هذه تحديدًا، لا أستطيع أنْ أجيب أو أبرّر، وأكتفي بقول الشاعر:

"بَذلتُ لهم نُصْحي بِمُنعرجِ اللَوى ، فلم يَستبينوا النُّصحَ إلا ضُحى الغَدِ..!"

وإنْ كنت مُصرًّا ومقتنعًا بالتقاضي والترافع وبقدراتك الشخصيّة، فتذكّر جيّدًا (أنه أصعب الأعمال القانونية).

لماذا التقاضي والترافع أصعب الأعمال القانونية؟

جواب يحتاج لتفصيل، ليس هذا وقته.

يقول ريتشارد ساسكيند:

"المحاماة تتغيّر، فالمحامون الناجحون غدًا هم أولئك الذين يفهمون الأعمال أكثر من فهمهم للقانون".

من كتاب ريتشارد "محامي الغد":

"وعلى الرغم من أن الآفاق أمام معظم المحامين التقليديين على المدى البعيد تبدو أكثر محدودية بدرجة كبيرة عمَّا كانت عليه في الماضي؛ فإنني أحث المحامين الشباب على عدم ترك الإحباط ينال منهم؛ إذ ستظهر -حسبما أعتقد- مجموعة واعدة من الفرص والمهن الجديدة للأفراد المدربين في مجال القانون. وقد لخصت عشرًا منها في الجدول ١٣.١."

وظائف جديدة للمحامين: مهندس المعرفة القانونية - مختص التكنولوجيا القانونية - مختص الخدمات الهجينة القانونية - محلل العمليات القانونية - مدير المشروعات القانونية - خبير البيانات القانونية - مختص البحث والتطوير - ممارس تسوية النزاعات عبر الإنترنت - مستشار الإدارة القانونية - مدير المخاطر القانونية.

غلاف كتاب «Tomorrow's Lawyers»
من كتاب «Tomorrow's Lawyers»
٥٥

الولع بالتنغيص

الولعُ بالتنغيص — د. محمد بن إبراهيم الحمد:

"كما أن من الناس مَنْ هو مولعٌ بإسعاد الآخرين، حريصٌ على إدخال السرور عليهم - فهناك مَنْ هو عكسُ ذلك تماماً؛ فتراه مولعاً بالتنغيص، مُغرماً بإدخال الهموم على غيره؛ فإذا لقيتَه، أو اتصل عليك، أو أرسل لك رسالة فإنك لا تجد من ورائه إلا تنكيداً.

وإذا دخلت معه في شأن من الشؤون الخاصة به الراجعة مصلحتها إليه - صار يوافيك بكل جديد، ويتصل عليك مرة إثر أخرى؛ فإذا لم تأتِ الأمور على ما يريد ألحّ عليك، وأكثر الاتصال.

وإن جاءت على وَفْق ما يريد، وصرت تنتظر منه أن يخبرك بما حصل قطع الاتصال فجأة، بل ربما لم يَعُدْ يَرُدُّ على اتصالك.

وإذا لقيته فيما بعد، وسألته أخبرك بما حصل، وإذا سألته لِمَ لم تخبرني؟ قال: لا أريد أن أكثر عليك!"

الولعُ نوعان :

1. ولعٌ بإسعادِ الآخرين.

2. ولعٌ بالتنغيص.

والثاني من غرائبِ الطِباع، وقد عبَّر الحكيم العربي عن هذا المعنى بألطفِ عبارة، وأجمل إشارة، وذلك بقوله:

إنْ يوقدوا يُوسعونا من دُخَانِهمُ ، وليس يَبْلُغنا ما تُنْضجُ النارُ ..!

٥٦

السيرة الذاتية لا تُكتَب .. بل تُصنَع أولًا

يَكثُر السؤال:

كيف أكتب سيرتي الذاتية؟

والأجدر أنْ يُسأل:

كيف أصنع سيرتي الذاتية؟

الكتابة عملية بسيطة نسبيًا، أدواتها متوفرة، وقوالبها مُتاحة، ومُحرّرات الذكاء الاصطناعي لن تعجز عنها.

لكن التحدي الحقيقي يَكمُن في أنْ يكون لديك ما يُكتَب.

فالسيرة الذاتية مرآة لسنواتٍ من التأسيس، والتكوين العلمي، والتأهيل الأكاديمي، والميول، والخبرات المهنيّة، والشهادات الاحترافيّة، والدورات النوعيّة، والمهارات الحقيقيّة.

فلا تنشغل بصياغتها عن صناعتها.

وقد قالوا:

"لا تشتغل على تحسين خطابك، قبل أنْ يكون لديك ما يستحقّ أنْ يُقال".

والصناعة لا تعني العجلة ولا التكاثر الشكلي، بل تعني أنْ تضع تصورًا واعيًا لحياتك المهنيّة، وأنْ تملأ سيرتك بما يُعبِّر عنك.

دون هذا الوعي، ستَظُن -باستمرار- أنّ المشكلة في ضعف الصياغة، وتبحث عمّن يكتب لك سيرة، أو أنّ المُشكلة بالتخصص، أو قلّة الوظائف، أو بالمجتمع ونحو ذلك من التبريرات، بينما الإشكال الحقيقي أنك لم تَصنع ما يُمكن رؤيته أو كتابته.

حين التحقتَ بتخصصك الجامعي، صنعت بداية هذه السيرة، وحين تخرّجت، بدأت مرحلة الكتابة.

لكن لا يُمكن لأحد أنْ (يَصنع) لك ميلًا علميًا، أو يختلق لك مؤهلًا أكاديميًا، أو يخترع لك تجربةً مهنيّة.

السيرة تُكتَب في النهاية، نعم، لتُعرض في مقابلة، أو تُرسل مع طلب توظيف، لكنها في الأصل:

تُصنَع، ثم تُرى وتُروى، وأخيراً تُكتَب.

سمعت أحدهم -ذات مرة- يقول:

Your CV should be a mirror, not a mask.

٥٧

النوستالجيا الأخلاقية

من كتاب «علمتني الحياة»:

"لقد اقترحت فكرة كتاب «علمتني الحياة» في عام ١٩٤٩ على مائدة غداء، جمعت أربعة رجال، كان حديثهم يدور حول ظاهرة خطيرة هي أن أغلب الناس -اليوم- يستهدف القيم المادية وحدها... أما القيم الروحية فآخذة في الانهيار."

البشر في كل عصر يشعرون بأنّ القيم تتراجع، وأنّ الماضي أفضل، هذه ظاهرة اسمها في علم الاجتماع “النوستالجيا الأخلاقية” أو الحنين الأخلاقي، وهي ميل الإنسان للاعتقاد أنّ الأجيال السابقة كانت أكثر نُبلًا وفضيلة، وأنّ الحاضر يشهد انحدارًا أخلاقيًا.

٥٨

اسمك هويتك المهنية

يقول ستيفن كوفي في كتابه (العادات السبع للناس الأكثر فاعلية):

"الثقة تُبنى على الشخصية، والشخصية تُبنى على الوضوح والاتساق. ومن أهم مظاهر الوضوح: أن يعرفك الناس باسمك، لا باسمٍ مستعار".

لا تُخفِ مسارك المهني، هكذا يقول أوستن كليون في كتابه (أظهر عملك):

لا تخف من أنْ تُعرّف نفسك، اسمك هو بطاقة هويتك في العالم، إخفاؤه إخفاء لمسارك المهني."

اسمك الثنائي -باللغة العربية- في الواتساب ومنصة X وغيرها ضرورة مهنيّة.

٥٩

السؤال قبل الجواب

يقول سُقراط:

"الأسئلة السيئة لا يُمكِن أنْ تُنتِج أجوبة جيّدة".

وذكر الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت في تأمُّلاتهِ:

"لكي تجد الحقيقة، عليك أولًا أنْ تتأكد أنّ سؤالك ليس مَبنيًا على وهم".

٦٠

تأثير زيجارنك

تأثير زيجارنك (Zeigarnik Effect)، هو مبدأ نفسي يقول: إنّ الإنسان يتذكّر المهام التي لم يُنهِها أكثر من التي أنهاها؛ لأنّ المهمة المعلّقة تبقى حاضرة في ذهنه، ولهذا فإنّ مُجرّد البدء في أي مهمة يُحفّز العقل على الاستمرار فيها حتى نهايتها.

٦١

أن ترى الأشياء كما هي

إذا تمكّنَت منك المحاماة وتمكّنت منها — تجعلك ترى الأشياء كما هي لا كما يُريدك الآخرون أنْ تراها.

يذكر جورج أورويل في مقالته (أمام أنفك):

رؤية ما أمام العين يتطلّب جُهدًا مستمرًا.

ويقول توماس هكسلي:

أعظم مأساة للإنسان أنْ يرفض حقيقة؛ لأنه لا يُحبها.

٦٢

أوهام الظروف

يتواصل معي شخص من الرياض

ويقول:

"من الصعب جدًا أن أجد فرصة؛ فالسوق متكدّس، وكل شيء متوقف، ولا يوجد مكتب محاماة يقبلنا ولو دون مقابل، والوظائف كلها للفتيات!".

ثم يتحدَّث آخرون ومن مناطق مختلفة، ويتفقون على فكرة مضمونها:

"لو كنت في الرياض، لوجدت مئات الفرص! ولا أفهم كيف يسكن أحدٌ في الرياض ولا يجد وظيفة؟"

وإذا كان المتحدث فتاة، قالت:

"لو كنت شابًّا، لسهُل عليّ التنقّل والسفر والتوظّف، لكنّ فرص الفتيات محدودة جدًا."

وأحدث وأطرف ما مرّ علي، أن فتاة من قرية بعيدة في القصيم قالت لي – وبكل استغراب:

"مشكلتي أنّ التنقّل صعبٌ عليّ، وأرغب في العمل عن بُعد، ولو كنت في بريدة لوجدت وظيفة بسهولة! كيف لا يجد من يسكن بريدة وظيفة؟!”

يظن الإنسان أنّ سبب تعثره يعود لظروف خارجة عن ذاته (الجنس، المكان، البيئة…)، فيُرجع الفشل إلى عوامل لم يخترها، ويُسقِط المسؤولية على (النظام) أو (الجهة المقابلة)، بدلاً من تقييم قدراته وظروفه الفعلية.

يقول طه حسين:

"الناس لا يشكون من الحياة، بل يشكون من أوهامهم عن الحياة".

٦٣

ادّخِر زميلك للمهمّ

إذا كان لديك زميل/ـة يُجيبك دائمًا على تساؤلاتك المتنوّعة، فكِّر مليًّا قبل أنْ تُثقِل عليه بما يُمكن الوصول إليه ببحثٍ بسيط.

كثرة الرسائل في أمور بديهية -وبشكلٍ مُستمر- تُرهِق، وقد تُقلِّل -أيضًا- من أهميّة رسالتك عند الضرورة.

يقول الشاعر:

اتركوني فْـِ الصّغار مْن الأمور ؛مْغَيّب

واذخروني لا احْتِمَت ضرْب السنين القَشْرَة

٦٤

القسمة من الله

قال تعالى: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾.

قال حاتم الأصَمُّ -رحمه الله- عن هذه الآية:

"تأمَّلتُها، فعلمتُ أنَّ القِسمة مِن الله؛ فما حسدتُ أحدًا قط".

* مختصر منهاج القاصدين - ص(28).

في هذه المقولة يتجلّى صفاء النفس وعلو اليقين؛ فالحسد غالبًا ما ينشأ من ظن أنّ ما في يد الناس هو بفضلهم أو بظلمٍ منهم، لكن إذا تيقّن العبد أنّ الله هو القاسم للأرزاق، زال من قلبه الحسد، واستراح من ألم المقارنة.

٦٥

التفكير كمحامٍ

أؤمن أنّ (التفكير كالمحامي) لا يعني حفظ الأنظمة ولا نقل موادها بشكلٍ مُجرّد، ولا نشر الأحكام القضائية، بل يعني امتلاك عقليّة تحليليّة، تساؤليّة، ناقدة، ومُنظمة.

المؤسف أنّ بعض مَن يُمارس المحاماة، لم يتعلّم بعد كيف يُفكِّر كـ مُحامٍ ..!

فكيف نُطالب الآخرين بالتفكير القانوني، وبعضنا لا يزال يطلب "ما الحل؟" قبل أنْ يسأل "ما المشكلة؟".

علينا أنْ نُعيد ترتيب الأسئلة، قبل أنْ نبحث عن الأجوبة.

كما قال كولين سيل مؤلف كتاب (Thinking Like a Lawyer):

“Thinking like a lawyer isn’t about having all the answers, but about asking better questions.”

"التفكير كمحامٍ لا يعني أنْ تملك كُل الإجابات، بل أنْ تعرف كيف تطرح الأسئلة الأفضل".

ما الحل؟

تعني أنّ الشخص يستعجل القفز إلى الإجابة أو العلاج قبل أنْ يفهم الخلل أو السبب. هو يُريد الوصول إلى نتيجة دون أنْ يُجهِد نفسه في فهم السياق.

ما المشكلة؟

تعني أنّهُ يبدأ من تحليل الواقع، وفهم التفاصيل، وتحديد جوهر الإشكال. وهو منهج المحامي والفكر النقدي: لا يضع اقتراحًا قبل أنْ يُعرّف المشكلة.

مثال:

موكّل يقول لك: "أُريد أنْ أفسخ العقد، ما الحل؟"

هذا طلب مباشر للحل، دون أنْ يسألك أو يُفكر: "ما المشكلة في العقد؟ هل فيه إخلال؟ هل الفسخ هو الخيار الأنسب؟ ما الآثار؟"

أمّا المحامي الحقيقي، فيبدأ بالسؤال:

"ما الذي حدث؟ ما نوع الإخلال؟ هل الطرف الآخر أُعذر؟ هل هناك خيار أقل ضررًا من الفسخ؟"

يقول أفلاطون:

"القانون هو العقل، خالٍ من الأهواء".

٦٦

قيمة الاستشارة

أكثر مَن يُقدِّر (الاستشارة) -أيًا كان نوعها- هو مُقدّمها؛ لأنه يعي أهمّيتها، ويُدرك تَبعاتها وآثارها، ولا تِجدُه يُقدِم على أي عمل إلا ويستشير المتخصصين فيه.

يقولون:

"من أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل".

"من شاور كثُر صوابه".

حتى هذا التأمل (استشرت) فيه أحدهم ..!

٦٧

لا تستعجل الرزق

تحتاج لخمس سنوات حتى تخرج من عُنق الزجاجة، وسبع سنوات لتتمكن من المهنة، وعشر سنوات لتستقر ماديًا، وخمس عشرة سنة ليكون لك شأن ومكانة فيها.

هذه ليست "قاعدة" ولكنها "واقع"، وتختلف باختلاف الظروف، واعلم أنّ الخبرة ليست بعدد السنوات؛ بل بتعدّد التجارب.

أخيرًا لا تستعجل الرزق يا صديقي!

٦٨

الإنجاز اليومي

"لا تُحدّثني عن قدراتك الفائقة وآمالك الكبرى وخططك المستقبلية، حدثني فقط عن إنجازك اليومي؛ فهو برهان آمالك وعنوان نهاياتك".

يقول أحمد أمين:

"قليلٌ من الزمن يُخصص كل يوم لشيء مُعيَّن قد يُغيّر مجرى حياتك ويجعلك أقوَم مما تتصوّر، وأرقى مما تتخيّل".

٦٩

أهم سؤال مهني

أهم سؤال مهني سيكون ملازم لك بمسيرتك المهنية:

١. أنا وش أفهم فيه؟

٢. وش الشيء اللي لو تكلّموا فيه أقول أنا لها، وأقدر أقدّم إضافة حقيقيّة عن أقراني؟

٣. وش الشيء اللي قرأت فيه كثير، وسمعت عنه عدة آراء مختلفة، وتوصّلت -بعد ذلك- لنتيجة أو نتائج أو قناعات معيّنة؟

السؤال تراه واحد ولكن بطرق مختلفة.

إذا عندك إجابة على السؤال فأمورك -بإذن الله- طيّبة وبالمسار الصحيح.

إذا ما عندك إجابة على هالسؤال الآن، ترى ضروري يصير عندك إجابة له بالمستقبل.

ضروري جدًا جدًا جدًا.

وكل ما تأخرت بالإجابة على هذا السؤال، كل ما كانت خطواتك المهنية بطيئة، والعكس صحيح.

الإجابة عليه هي حجر الزاوية في تطوّرك المهني، واستيعابك، وإدراكك لواقعك.

٧٠

الإعداد للمرافعة

إنّ (خطورة) عدم ضبط المحامي لإجراءات الترافع قبل تقديم صحيفة الدعوى وحتى صدور حكم نهائي بالقضية (أكثر) من عدم فهمه لموضوع الدعوى أو النص القانوني الواجب التطبيق على الواقعة، فالثاني يُمكن تحريره وتوضيحه وتعديله أثناء نظر الدعوى -حسب كل دعوى وله تفصيل ليس هذا محلُّه-، أمّا الأول فهو إجراء شكلي يجب أنْ يُطبّق بشكلٍ صِرف، ولا مجال فيه للخطأ والنسيان، وقد تفصل فيه المحكمة من تلقاء نفسها.

وما يَحدُث من ممارسات عمليّة في (بعض) مكاتب وشركات المحاماة من إسناد (جميع) الأعمال الإجرائية للمرافعة (للأقل خبرة) من دراسة القضية ورسم خطة لها وإعداد صحيفة الدعوى، ورفع مُرفقاتها وغير ذلك، على أنْ يَكتفي المحامي الخبير بمُقابلة العميل وكتابة المذكرات وحضور جلسات الترافع فهو محلّ نظر!

(فالإعداد للمرافعة وفقًا للشكل المرسوم نظامًا -غالبًا- أهم من المرافعة ذاتها).

يقول إبراهيم الهلباوي بك -أول نقيب للمحامين المصريين-:

"الإعداد للمرافعة كالوضوء بالنسبة للصلاة، فكما لا تصِح الصلاة بلا وضوء، فلا مرافعة تردّ للناس حقوقهم بلا إعداد متينٍ مُنضبِط، وإدراك حقيقي لمواقع الخصوم والطلبات في القضية".

وقد جاء في تسبيب حُكمٍ تجاري ما نصه:

"…، وبعد إفهام الحاضر بنص المادة (245) من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية والتي تنص على (في جميع الأحوال؛ لا يُقبَل من الأطراف تقديم أي طلبات أو بيّنات أو دفوع لم يتم إبداؤها قبل انتهاء الجلسة التحضيرية)".

والمقترح بهذا الصدد الاعتماد على نماذج مُرتبّة وفقًا للتسلسل الزمني الوارد بالنظام؛ فهي تُساعد بشكلٍ كبير على ضبط أحكام النظام أولًا، وفحص القضية ومراقبة إجراءاتها، وأخيرًا التقليل من احتمالية الوقوع بالخطأ.

فنمذجة العمل هي الحل، يقول في ذلك سيمون سينك:

"لا تستخدم الناس لبناء العمل، استخدم العمل لبناء الناس".

مثال:

(نموذج عمل - إجراءات الدعوى التجارية من قبل قيد الدعوى حتى صدور حكم ابتدائي).

ويتضمن النموذج: الاختصاص - هل يجب رفعها من محامٍ - هل هي من الدعاوى التي تجب فيها المصالحة، الإخطار - تحرير الصحيفة - تحديد الطلبات - البيّنات - تاريخ تقديم المذكرات - الدفوع الشكلية المؤقتة -… إلخ.

وغنيٌ عن القول أنّ -ما ورد أعلاه- لا يعني عدم إسناد بعض المهام للأقل خبرة، ولكن المقصود الإشراف بشكلٍ مُباشر ودقيق، مع توجيه ومراجعة لكل خطوة، ويكون الاعتماد الأخير لدى المسؤول عن القضية الأكثر خبرةً.

يقول مايكل كوردا:

"الميزة الوحيدة التي تجمع بين الناجحين في العالم تَكْمُن في قُدرتهم على تَحمُّل المسؤولية".

٧١

المنظورات الفكريّة

تستطيع تغيير حياتك بالكامل، إذا استوعبت معنى وأثر (المنظورات الفكريّة).

تحتاج وقت للتغيير، لكن (بإدراكها) ستتغيّر نظرتك لكل شيء.

فعليًا ستنقلب حياتك رأسًا على عقِب.

تحدّث عنها بالتفصيل ستيفن كوفي في كتابه العادات السبع.

إنّ للمنظورات الفكريّة (قوّة) تصل لإحقاق باطل، وإبطال حق، واتخاذ قرارات، وإصدار أحكام، وأكثر من ذلك بكثييير.

يصل (تأثير) المنظورات الفكرية إلى درجة (أنّ ما تراه بعينك وتسمعه بأذنك ليس هو الحقيقة الكاملة).

٧٢

الشتات المهني

هل تشعُر بالشتات المهني؟

وأنّ خُططك لا تتحقَّق بنفس الترتيب الذي تصوّره عقلك المحدود؟

لست وحدك! فاطمئن.

ثم إنّ ما تشعُر به موجود لدى كثير من الناس (فلا شيء يدعو للغرابة)، وأخيرًا؛ إنّ هذا الشعور ليس بالجديد، وليس حكرًا على هذه السنوات.

يقول د. علي الوردي في كتابه المنشور عام 1951م:

"إنّ مُعظم الناس يتّجهون في أول أمرهم نحو غايةٍ ثم ينحرفون عنها أخيرًا".

"إنّ واقع الحياة أقوى من أي خطة يضعها عقل محدود".

٧٣

المحاولة السهلة والفرص الصعبة

إذا كنت مقتنعًا أنّ الحصول على تدريب أو وظيفة في مكاتب المحاماة أمر صعب، فلماذا تبحث عنه بطريقة سهلة؟

الكثير من الباحثين عن الفرص القانونية يؤمنون أنّ المنافسة صعبة، ولكنهم في الوقت نفسه يكتفون بالاتصال أو بإرسال رسالة قصيرة مثل: "السلام عليكم، هل لديكم تدريب؟"

إنْ كنت مقتنعًا أنّ الأمر صعب، فمن البديهي أنْ يكون جُهدك في البحث مكافئًا لهذه الصعوبة.

فكِّر فيها جيّدًا..!

حتى لا تكون جمعت النقيضين.

المحاولة السهلة لا تُناسب الفُرص الصعبة.

٧٤

علامات المحتال في التجارة والاستثمار

من خلال تجاربي الشخصيّة والمهنيّة (في المجال القانوني)، وجدت أنّ المحتالين في عالم التجارة والاستثمار يتّسمون بصفاتٍ مُتكررة، وغالبًا ما تجتمع فيهم (كل أو بعض) هذه العلامات.

وعلى الرغم من وضوحها، يقع الكثيرون في شباكها، بغضّ النظر عن خلفياتهم أو مهنهم أو مناصبهم.

من علامات النصَّاب (المُحتال) في عالم التجارة والاستثمار:

١. يبدأ حديثه عن الضمانات والأرباح قبل الفكرة، ويسعى لترسيخها أكثر من طريقة العمل نفسه. (ترسيخ الموثوقيّة)

٢. يَعِدك بربح أكثر من 10% من رأس المال، وغالبًا يكون من 30% فأكثر (حتى يكون الدخول معه مُغري).

٣. يعرض عليك نماذج أرباح (وهميّة) بشكلٍ مُباشر بإرسالها لك أو اطلاعك عليها دون طلب منك، أو بشكلٍ غير مباشر من خلال متابعتك له ونشر رسائل (للوهميين) عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

٤. يُعيد ويزيد في الضمانات، وأنّك ستكون شريك بعقد التأسيس، وأنّ التحويل سيكون على حساب رسمي للشركة، وأنّ الشركة ستُحرِّر لك سند لأمر، ونحو ذلك.

٥. غالبًا ما تكون استثماراته (الوهميّة) بأنشطة العُملات (الفوركس) - الذهب والمجوهرات الثمينة، الوساطة، …، ولا تكون بأنشطة على أرض الواقع.

٦. يَذكُر في أحاديثه معك أو مع العامة أشياء لا علاقة لها بالاستثمار ذاته، بإظهار انشغاله المستمر، أو ارتباطه مع رجال أعمال، أو تصوير أشياء ثمينة. (وضع صورة لسيارة فاخرة، أو نشر قصص وهميّة، منتجع فخم، ساعة، وغير ذلك)، وفي أحوال معيّنة يضع ما يوحي بأنه شخص مُتديّن.

٧. دائمًا ما يُظهر أنه سعيد، ومُستمتع بالحياة، وأنّ الاستثمار (الوهمي) انعكس تأثيره على حياته.

قد تجد بقراءتك لهذه النقاط، أنّها واضحة وسهلة، ولا يُمكن أنْ يخدعك أي أحد، (والواقع) أنّ المخدوعين والمتورّطين كُثُر.

خداع أي شخص سهل خاصةً إذا كان جُل تركيزه عند الدخول بأي استثمار (كيف أضمن رأس مالي)، مجرد وجود هذه الفكرة في بالك ستجعلك تقتنع شيئًا فشيئًا بالضمانات (الوهميّة) التي يعرضها عليك المُحتال؛ من عقد وسند لأمر وتحويل المبلغ لحساب سعودي وغيرها.

وتذكّر دائمًا:

"المُحتال الجيّد لا يكذب عليك، بل يجعلك تكذب على نفسك".

٧٥

كثرة الحديث

مُهم مراعاة ذلك مع كثرة الاجتماعات هذه الأيام.

يقول ألكسندر دوما:

"بغضّ النظر عن مدى جودة حديثك، إذا تحدّثت كثيرًا، سينتهي بك الأمر بقول أشياء غبية".

٧٦

هل نحن في سِباقٍ مع الزمن؟

«عندي فكرة، وأريد رأيك فيها».

يرسل لي زميلٌ فكرة، فلا أردّ. وفي اليوم التالي يرسل أخرى، ثم ثالثة: منصّةٌ هنا، وكتابٌ هناك، ومشروع، وبرنامج، وشهادة.. وهكذا.

كنتُ أقرأ رسائله وأتساءل: أيّ هذه الأفكار يعيشها الآن؟

لو سُئل أحدنا: هل أنت في سباقٍ مع الزمن؟ لأجاب في الغالب: لا. لكنّ طريقة عيشنا تقول غير ذلك؛ فكثيرٌ منّا في سباقٍ دائمٍ مع الزمن، يلاحق فيه المرحلة التالية.

في الجامعة نقول: أتخرّج وأرتاح. نتخرّج فنقول: أجد وظيفة. نجد الوظيفة فنبحث عن دخلٍ أفضل. يتحسّن الدخل فنقول: أريد عملًا أحبّه. نعمل ما نحبّ، فنبحث عن أثرٍ أكبر.. وهكذا، كلّ محطّةٍ تُسلّمنا إلى التي بعدها قبل أن نصل إليها حقًّا.

وليست المشكلة في أن نريد هذه الأشياء؛ فهذا هو الطموح. المشكلة أن نريد أن نعيشها كلّها في الوقت نفسه: الأثر، والنجاح، والراحة، والمال، والعمل الذي نحبّه، والإنجاز، والتقدّم.. وهذه لا تجتمع بالضرورة في مرحلةٍ واحدة.

قد يختار المحامي في سنواته الأولى مكتبًا صغيرًا يتعلّم فيه كلّ شيء، على حساب راتبٍ أعلى في مكانٍ آخر. فإن كان التعلّم غايته الآن، فربما يكفيه أن يسأل نفسه: هل أعيش الشيء الذي اخترته؟

أمّا إن وضع على اختياره عشرين شرطًا: أن يتعلّم، وأن يكسب، وأن يرتاح، وأن يستمتع، وأن تكون له مكانة، وأن يتّسع وقته.. فهو يطلب من مرحلةٍ واحدة أن تمنحه كلّ شيء.

وهنا أعود إلى رسائل زميلي.

فكثرة الأفكار قد تبدو حركةً وحماسًا، بينما قد تكون أحيانًا تشتّتًا متنكّرًا في صورة طموح. والفكرة ليست أمرًا؛ وليس كلّ ما يخطر في البال يستحقّ أن يُتبَع.

ولا يحتاج الإنسان إلى أن يُوقف أفكاره، بل إلى ألّا يستجيب لكلّ واحدةٍ منها. فمن يكتب كتابًا، يكتب كتابه. ومن يعمل على مشروع، يعطيه وقته.

وكما يقولون:

«الفراشة تنتقل من زهرةٍ إلى أخرى، أمّا النحلة فتبقى بما يكفي لتخرج بالعسل».

ليس مطلوبًا أن تحصل على كلّ شيءٍ في هذه المرحلة؛ يكفي أن تعيشها كما اخترتها.

وإذا جاءت فكرةٌ جديدة، فقد يكفي أن تقول لها:

«أعرفُ أنكِ موجودة يا صديقتي، لكن ليس الآن».

صورة التأمل
تنزيل الصورة